سوق المسلسل الرمضاني: المنتِّج السوري يسّوق في ربع الساعة الأخيرة

 

صحيح أن المشاهد لا يعرف أسماء المسلسلات التي ستعرضها قنوات التلفزيون سوى قبل شهر من رمضان، لكن لعبة التسويق تشكل الحلقة الأهم في عملية وصول المسلسل إلى الشاشة. لذا تعددت السيناريوهات في التسويق والهدف الأساسي لدى المنتج هو عدم خسارة الكلفة الإنتاجية التي وضعها للعمل. وبالتالي عرض المسلسل ولو كان ذلك على قناة محلية في دولة عربية لا تعرف من سورية سوى باب الحارة.

وفي ضوء عملية التشارك بالإنتاج داخل مصر مثلاً بين القطاعين العام والخاص حيث تنتج الشركات الخاصة مسلسلات تصور داخل مدينة الإنتاج الإعلامي التي تعود ملكيتها للحكومة. مما يخلق حالة تكامل فيستطيع المشاهد المصري متابعة أهم الأعمال المنتجة على القنوات الحكومية “ماسبيرو” علاوة على الخاصة. وهذا لا يعني أن التلفزيون الرسمي يحصل على حق عرض الأعمال الدرامية مجاناً، فالقائمون عليه يرصدون ميزانية سنوية وصلت هذا العام إلى 40 مليون جنيه لشراء حقوق عرض 15 مسلسل مصري.

خليجياً لا تعاني الأعمال الدرامية أي مطب في التسويق وذلك لتوازن عدد المسلسلات المنتجة سنوياً مقارنة بعدد القنوات الخليجية الخاصة والحكومية. والتي تتمسك بالطبع بحصة وافرة من العروض الخليجية تصل مثلاً في القنوات الكويتية إلى 80% من نسبة العروض في حين تتراوح بين 50-60% على القنوات الإماراتية، وسهولة تسويق المسلسلات تعود أيضاً إلى دخول القنوات التلفزيونية الخليجية على خط الإنتاج وشرائها أعمال على أسماء النجوم الأوائل في هذه المسلسلات كعبد المحسن النمر وناصر القصبي وسعاد عبدالله وحياة الفهد وميساء المغربي.

أما بدوياً فهي نوعية الأعمال التي تستطيع الدراما الأردنية بلوغ الشاشات العربية عبرها، وإن كان خط إنتاج خليجي قد يدخل في بناء هذه المسلسلات لكن النسبة الأكبر من الممثلين والفنيين هم أردنيين. ونظراً لقلة الأعمال البدوية المنتجة سنوياً ما يضمن للمنتج بيع أعماله بسهولة، هذا إذا ما أغفلنا الإنتاجات البدوية التي شاركت محطات كبرى في إنتاجها كمؤسسة دبي للإعلام أو النمط البدوي السعودي الذي تتولى MBC تقديمه منذ موسمين متمثلاً في حارة الشيخ والعاصوف.

أما النمط التسويقي النامي هو اللبناني وإن كان ملعبه السوق المحلية اللبنانية، فنحن أمام موسم درامي لبناني حافل سواء بالأعمال اللبنانية الصرفة أو المشتركة مع سوريين أو مصريين. ونتيجة لتسابق القنوات اللبنانية في الراتينغ الرمضاني فذلك يعني نفاذ جميع الأعمال المنتجة إلى الشاشات اللبنانية وتزاحمها في فترة الذروة. ما يخرج بدوره المسلسل السوري من المنافسة على المحطات اللبنانية في فترة المشاهدة الأعلى بعد الإفطار. فماذا عن المسلسل السوري أمام كل ما سبق؟!

يعتد المنتج السوري بنفسه ويقنع النجم الذي يلعب بطولة عمله أن المسلسل بخير. فماذا تكون النتيجة؟! عمل يوضع في أدراج القنوات أو يعرض مشفراً ويحتكر قرابة عام قبل أن يصل للجمهور. فنجد في المحصلة الكاتب والممثلين الحريصين على وصول أعمالهم للجمهور يسارعون لنشر روابط الحلقات المسروقة على الانترنت والتباكي على حقوق الكتاب المسلوبة والمصير الكارثي للدراما السورية. بالمقابل ليس هناك من يصغي، بل بالعكس تتكرر المآساة التسويقية عاماً تلو الآخر. وإن كانت في نظر البعض شماعة عند المنتجين للترويج لنمط معين من الأعمال. فتعثر إنتاج المسلسل الشامي الحرملك في شركة كلاكيت أخرجها من السباق الرمضاني ليتابع الجمهور مسلسلات البيئة الشامية على أكثر من 20 قناة عربية نصفها ستعرض تاسع أجزاء باب الحارة ورابع أجزاء طوق البنات. حتى أن المنافسة بين الشركات السورية تحولت إلى أكبر عدد من الأعمال الشامية التي تستطيع توزيعها للقنوات الفضائية. فبينما تروج قبنض لعمليها عطر الشام 2 وطوق البنات4 تروج غولدن لاين لمسلسلات خاتون2 ووردة شامية والخان وغبار الجوري. أما شركة سما الفن فما زالت تحاول في ربع الساعة الأخيرة ترويج مسلسلها قناديل العشاق دون تأكيد إذا كان فعلاً سيلحق بالموسم الرمضاني أم لا؟!

هل المنتج السوري بحاجة لصفعة تقنعه أن الموسم الرمضاني 2018 بدأ تحضيره من اليوم قبيل عرض موسم 2017، وأن القنوات الكبرى التي تحرص على سمعتها تضع جدولتها البرامجية للموسم الرمضاني قبل ثلاثة أشهر بأقل حد. علاوة على أن سياسات بيع المسلسلات بالسلة أو تبادل المسلسلات وتوزيعها على قنوات الشبكة الواحدة ليست إلا حلاً إسعافياً ينقذ مرة ويميت عشر مرات.

لعل التسويق الدرامي في سورية المنكوبة جرّاء الحرب لا يختلف “رواده” في عقلياتهم عن التوجه الحكومي الذي خلق فجوة بين السلطة والشعب. فلا الشعب صدق السلطة حين قالت له أن البلد متعافي ولا السلطة غيرت خطابها المتعالي عن النزيف. وهكذا الدراما أطرّت في مسميات التميز والتفوق والريادة، فخرج أبو عبدو في الحفل  التكريمي الأخير ليكيل المدائح بحق هذه الصناعة الوطنية مطمئناً أن سلسلته الشامية بيعت لعشرة قنوات فضائية وحلمه أن يعود الموسم القادم بإنتاج عاشر أجزاء باب الحارة.