من عمر في العشب عالحيطان.. ذكرى وفاة شاعر فقد مدنه

بقلم: عبدالسلام مطر

ليستِ الكتابةُ عن نزار قباني، في مئويته أو في ذكرى غيابه، عملاً من أعمالِ التأريخِ البارد، ولا هي تمرينٌ مدرسيٌّ على استحضارِ اسمٍ لامعٍ من ذاكرةٍ نخرها الإعياء؛ إنّها —في جوهرها السحيق— مواجهةٌ عنيفةٌ مع ذواتنا، وامتحانٌ عسيرٌ وقاسٍ لِما تبقّى فينا من قدرةٍ على احتمالِ الحقيقةِ في فجاجتها الصادمة. فنحنُ حين نخطُّ عن هذا الشاميّ، لا نكتبُ عن شاعرٍ طواهُ الردى، بل عن “صوتٍ” ما انفكَّ يمارسُ سطوتَهُ في فضحنا، وعن “لغةٍ” لم تَكُفَّ عن تعريتنا وهتْكِ أستارنا، حتى بعد أن توهّمنا —في غمرةِ تبلُّدنا— أنَّنا تعلَّمنا كيف نقرؤُها بلا ألمٍ أو مَضاضة.

إنّنا ننتمي لمدينةٍ تتكئُ فيها البيوتُ على بعضِها بعضاً في تواطؤٍ وجوديٍّ مريب، كأنَّ الجدرانَ تتآمرُ على البقاءِ هرباً من الفناء؛ لا لأنَّها قويةٌ مَتينة، بل لأنَّها تخشى السقوطَ منفردةً في عَرائها. مدينةٌ إذا طرقتَ باباً في أقصاها، ارتجَّتِ الأبوابُ كلُّها في أرجائها، وتفتَّحتِ النوافذُ كأنَّ الضيفَ الغريبَ جاءَ إلى المدينةِ بأسرها، لا إلى بيتٍ بعينه. ومن هذا الاتكاءِ الارتجاليّ، تلقَّفنا شكلاً خاصاً ومرعباً من الحياة: أن نُخفي ضعفنا بالتجاور، وأن نُغطّي هشاشتنا الروحيةَ بـ “الدفءِ الجماعيّ” الزائف، وأن نُمارسَ التواطؤَ كأنَّه فضيلةٌ اجتماعيةٌ عليا لا كونهُ خطيئةً كبرى.

في بيوتنا الشاميّةِ القديمة، لم نكن نخضعُ لتقلباتِ الفصول، بل كنّا نُراوغها بذكاءٍ حسيٍّ فاجع. نُدخلُ الصيفَ إلى عِزِّ الشتاءِ على هيئةِ مدفأةٍ تُدفئُ الذاكرةَ المتجمدةَ قبل الجسد، ونستضيفُ الشتاءَ في قلبِ الهجيرِ على هيئةِ “بحرةٍ” تتوسَّطُ الدار، كخصرِ صبيّةٍ بَضّةٍ لا يمسُّها الكبر. مياهُها تنسابُ من صبّاباتٍ متتابعة، تُداعبُ الحجرَ وتُهدّئُ روعَ الجدران، وتُطمئنُ أشجارَ النارنجِ والليمونِ أنَّها لن تنضجَ في غُربةٍ أو وحشة. كأنَّ كلَّ شيءٍ في هندسةِ هذه المدينةِ مُصمَّمٌ ببراعةٍ لِيُخفيَ القلقَ ويطمسَ الفجيعة، لا ليُعالجَ أسبابها.

ومن هذه البنيةِ المزدوجة —جمالٌ باذخٌ في الظاهر، وهشاشةٌ مكتومةٌ تتقيَّحُ في الباطن— انبثقَ نزار قباني.

لم يكن نزار شاعراً يَسبكُ القوافيَ بلادةً، بل كان كائناً لغويّاً مارقاً تمرَّدَ على اللغةِ ذاتِها. لم يكتب “دِمشق” بوصفِها مكاناً، بل أعادَ خَلْقَها من عَدَم؛ جَرَّدها من أقنعتِها التاريخيّة، وواجهَها بمرآتِها القاسية: يُحبُّها حتى الفضيحة، ويغضبُ عليها حتى العَراء. في «قالت لي السمراء»، لم يكن يُداعبُ أنثى، بل كان يُدرّبُ اللغةَ على الحنانِ بعد قرونٍ من القسوةِ واليباسِ البدويّ. وفي «طفولة نهد»، لم يكن يكتبُ الجسدَ ترفاً، بل كان يُحرّرهُ من خَجَلٍ تاريخيٍّ غُرِسَ فيهِ كعقوبةٍ أبديةٍ وسُبّةٍ لا تُمحى. أمّا في «الرسم بالكلمات»، فقد اجترحَ فعلاً أدبيّاً هو أخطرُ من الشعر: حوَّلَ اللغةَ إلى جسدٍ يُرى، ويُلمس، ويُشتهى — وهذا “الفعلُ الفاضح” هو ما لم تغفرهُ لهُ المؤسساتُ اللاهوتيةُ والاجتماعيةُ قطّ.

لقد قيلَ عنه إنَّهُ شاعرٌ فاضح، وكَتَبَ العُريّ، وكَسَر المـُحرم. لكنَّ الحقيقةَ أشدُّ فجاجةً وقسوةً من هذهِ التهمِ السطحيّة: لم يكن نزارُ يفضحُ الجسد، بل كان يفضحنا “نحن”. كان يكشفُ عن عوراتٍ أعمقَ وأنتنَ من مَسامِ الجلد: عورة الوعي حين يختبئُ خلفَ البلاغةِ الجوفاء، عورة الهزيمةِ حين تُقدَّمُ كخطابِ نصر، عورة التواطؤِ حين يُسمّى حكمة، وعورة الخذلانِ حين يتحوَّلُ إلى تقليدٍ راسخٍ في جيناتنا. لقد كتبَ الجسدَ لأنَّ الجسدَ كان آخرَ ما تبقّى من مَعاقلِ الصدق، بينما كانت الأرواحُ قد تعلَّمتِ الكذبَ والزيفَ بإتقانٍ مَشين.

بَيْدَ أنَّ هذه الجرأةَ لم تولد من فراغٍ عَبَثيّ، بل من جرحٍ شخصيٍّ غائرٍ ومُؤسس. ففي مطلعِ شبابه، انتحرت شقيقته —تلك التي نعتها بـ “الحمامة البيضاء”— لأنَّها مُنعت قسراً من الزواجِ بمَن تُحبّ. لم تكن تلك الحادثةُ تفصيلاً عائلياً عابراً، بل كانت لحظةَ انهيارٍ أخلاقيٍّ مروع: كيف لمجتمعٍ أن يذبحَ الحبَّ باسمِ الشرف؟ كيف يتحوَّلُ الحياءُ إلى أداةِ خنق، والتقاليدُ إلى سكينٍ ناعمةٍ تَنحرُ الوريد؟ من رحمِ تلك الجريمةِ الأولى، انبعثَ فكرُ نزارٍ النسويُّ السبّاق؛ فلم تعدِ المرأةُ في شِعرهِ موضوعاً جمالياً، بل غدت “قضيةً” وُجودية، وصارَ الجسدُ ساحةَ صراعٍ مريرة، ولم تعدِ اللغةُ وسيلةَ تعبير، بل أداةَ اتهامٍ تلاحقُ القتلة.

ثمَّ دهمتنا الهزيمةُ الكبرى، فكان ديوانهُ «هوامش على دفتر النكسة» نصَّ الاتهامِ الكامل، ولم تكن مجرد هوامش، بل كانت الصرخةَ الفجّةَ في وجهِ قبحنا:

«إذا خسرنا الحربَ لا غرابة.. لأننا ندخلها… بكلّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابة»

لم يكن يبالغ، بل كان يكتبُ ما نعرفهُ ونرتعدُ من قولِه. وفي «متى يُعلنون وفاة العرب؟»، لم يسأل، بل أصدرَ حُكماً قاطعاً ومؤجَّلاً. أمّا «بلقيس»، فلم تكن مرثيةً لامرأةٍ قضت في تفجير، بل كانت مرثيةً لوهمٍ كاملٍ نعيشُ فيه. حين صرخ:
«شكراً لكم… شكراً لكم.. فحبيبتي قُتلت… وصار بوسعكم.. أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدة»
كان يضعنا —جميعاً— في موقعِ الشراكةِ في الجريمة، من المحيطِ إلى الخليج.
نزار لم يسبقنا في الشعرِ والبلاغةِ فحسب، بل سبقنا في “المصير”. لقد نزحَ قبلنا لأنَّهُ رأى بعينِ البصيرةِ ما لم نره، وفهمَ أنَّ المدينةَ التي تتكئُ بيوتُها على بعضِها، ستضطرُّ يوماً ما أن تتكئَ على “المنافي”. خرجَ منها ولم تُغادرْهُ، حملها في صوتهِ ولغتهِ التي تحوَّلت إلى “توقيعٍ ثقافيٍّ” لدمشقَ الجريحة.


ولكن، ماذا فعلنا نحنُ في ذكراه؟ كيف احتفلنا بمَن أعادَ تعريفَ الحبِّ والسياسة؟ كيف تحوَّلَ هذا الثائرُ اللغويُّ إلى مجردِ “اقتباسٍ مبتور” وتافهٍ على شاشةِ هاتفٍ ذكيّ؟ هنا تبدأُ “الفضيحةُ الحقيقية”. لقد سألَ نزار —في لحظةِ غضبٍ وجوديٍّ صافٍ—: ( ما العقد الفريد وما الأغاني ؟ ) في عالمٍ عاجزٍ عن إنتاجِ “فعلٍ” صادقٍ واحد؟ لو أنَّ هؤلاءِ “الأنبياءَ الكاذبين” الذين يَقرفصون فوقَ وعينا ويُعيدون إنتاجَ الخديعةِ حملوا إلينا من فلسطينَ “نجمةً”، أو “برتقالة”، أو “قطعةَ قماشٍ مُطرَّزة”، لكانَ بكاؤنا صادقاً. لكنَّهم حملوا إلينا “الخُطبَ” العصماء، فصارَ الحزنُ مسرحيّةً سمجة.


واليوم؟ اليومَ لم يتغيَّر شيء، سوى أنَّ الكذبةَ أصبحت أكثرَ أناقةً وحداثة. الوطنُ العربيُّ اليومَ لم يعد فكرةً أو كياناً، بل صارَ “بيتاً” مفتوحاً على مَصراعيه، كلُّ أبوابِهِ مُشرعةٌ، لا لقرى الضيوف، بل لعربدةِ الغزاةِ والقتلة. المشكلةُ ليست في أنَّ نزاراً قد رحل، بل في أنَّنا لم نعد نحتملُ “نزاراً” في حقيقته. لقد روَّضناه، وقصصنا أظافره، واحتفظنا منهُ بما لا يُزعجُ سباتنا العميق. نزارُ لا يموتُ حينَ يُوارى الثرى، بل يموتُ حينَ يُقرأُ بلا خوف، حينَ يُنسى أنَّهُ كانَ “شاعرَ فضيحة” ويُقدَّمُ كشاعرِ حُبٍّ رومانسيٍّ وادع.
لهذا، لا يكفي أن نترحمَ عليه ببرود؛ بل يجبُ أن نقول —بمرارةِ الحقيقةِ المـُرة—: نحنُ لم نكن جديرينَ بنزارٍ قباني. ولذلك، نحنُ لا نبكيهِ وحده، بل نبكي “مدينةً” كانت تُنجبُ الشعراءَ والتمرد، وصارت اليومَ تُنجبُ “الصمتَ” المطبقَ بمهارةٍ مرعبةٍ وفائقة.


عبدالسلام المطر