لم تكن تجربة المخرج الشاب يمان عنتابلي بالعابرة إذ تقدّم لإنجاز أعمال معارضة للنظام السوري باكراً، ولعلّ “للعبث يا طلائع” ما كشفَ عن موهبة قادمة لمغامر يتحدى أن يصنع عمل فني دون الرضوخ لشروط تجارية، وهذا ما أبرزته تجربته الدرامية الجديدة “يوم وشوي” عن نص كتبه بنفسه وأنجزه في سوريا بعد إسقاط النظام حيث ذهب بكاميرته لريف دمشق وصنع حدوتة لخمس حلقات بين الشام وتركيا بإيقاع سرد متزامن حيث تروي الحلقات حكاية يوم واحد في عائلة “أبو إياد” وما يعانيه كل فرد في كل حلقة بهذا اليوم من تحديات ومشاق يعيشها مع نفسه دون أن يكشفها لباقي أفراد العائلة.
اتخذ يمان نموذج العائلة السورية البسيطة المصابة بأزمتين، الأولى سفر الابن “إياد” وحياته في تركيا بعيداً عن أهله وكفاح مستمر للبحث عن لقمة العيش لتأمين حياة أهله ولو بحوالة مالية بسيطة نهاية كل شهر، والثانية بسجن زوج الابنة “شذى” واعتقاله داخل سجن صيدنايا تاركاً خلفه زوجة عاملة وطفلين اثنين ومستقبل مجهول، عاكساً بذات الوقت العجز الذي يعانيه الأبوين ومقاومتهما للحياة بكافة السبل.

وعبر أداء مقنع للغاية تلبّس القدير جمال العلي شخصية “الأب” وعكس في الحلقة الأولى حياة سائق الأجرة الغارق في طرقات المدينة المتعبة، صاحب الذهن المشغول حول أبنائه والساعي خلف الرزق رافضاً إملاءات شقيقته وتصورها لشكل الحياة النموذجي، حانقاً عند شعوره بالعجز والانكسار أمام واقع لا يستطيع تغيير شيء فيه حتى مواجهة حاجز عسكري يجبر فتاة تستقل سيارة أجرته للنزول.
ما يحدث مع الكبار، ينعكس على حياة الصغار فطفلا شذى يعانيان من أصوات المدافع والطيران، يلازمهما الخوف ولا يستطيعان التحكم بقلقهما، يبحثان عن لحظات هروب من واقعٍ سوداوي، هما كبرا قبل عمرهما، أحاديثهما أحاديث الكبار وأحلامهم لم ترسم بعد في عتمة تسيطر على منزل جدهما بسبب انقطاع الكهرباء.
أما حياة خالهما المغترب ليست باليسيرة، هو يعاني من التضييق على شروط الإقامة في تركيا، يعيش ازوداجية أمامه بين حاله في القاع، وحال فئة ظهرت على السطح بثروات ونفوذ قائم على الوهم، لا يستيطع تحريك ساكن في واقعه المعقد، يعيش داخل سكن مشترك يتشاركه مع ممن يعانون مثله صحياً ونفسياً، ويحاول مقابل ذلك إخفاء كل شيء أمام أهله حينما يتصل بهم.

والدته تحتوي الجميع، تطل القديرة يارا صبري من الحلقة الأولى ولكنها تروي حكايتها في الرابعة بأصالة أداء لم تغب عنها رغم الغياب، تلتقط دمعة الجمهور بلحظة، تطلق نبرة صوتها المليئة بالحنان تبلسم جراح كل العائلة وتعض “أم إياد” على ألمها، يعتريها هاجس تأمين مبلغ عملية طبية تحتاجها بشكل ضروري، تنهار في مخيلتها صورة الأم التي تحمل كل شيء برمزية عالية للرحم بقيمته المعنوية، تحاول تصبير نفسها بأي شيء فلن تقبل أن تغلب أنانيتها إيثارها لعائلتها فرداً فرداً.
وحتى المشهد الأخير تحافظ أم إياد على نبرة الهدوء رغم ما تواجهه في يومها كأي أم سورية صبرت وصبّرت أبنائها على أمل الخلاص في اليوم التالي.
وتختتم الحكاية عند الممثلة المسرحية المحترفة فرح الدبيات التي تخفي سر لكمة في وجهها طول الحلقات الأربع الأولى لينكشف سره في الخامسة، بعد حلقة صمتت فيها أكثر مما تكلمت، رصدت الموسيقى انفعالاتها وقلقها، حاولت أن تكافح رغم إقرارها الداخلي بالفشل فكانت النتيجة كدمة على الوجه فتحت كل الجراح.
وباتجاه نهاية تطلق نافذة أمل وتهدي أبناء الحياة ضوءاً في آخر النفق كما تقول شارة الكرتون، جاء سقوط النظام نبأً أعاد بث الأمل في أفراد العائلة الذين شعروا لأول مرة أنّ الهواء دخل إلى صدورهم بعد سنوات من التعب ليقفل العمل عند نهاية مفتوحة ينتظر فيها الطفلان أباهما بعد إطلاق سراحه عند تحرير مساجين سجن صيدنايا.

بلا شك أنّ “يوم وشوي” تجربة خاصة بكاميرا حساسة للمشاعر لم تعتمد على الاستعراض بل حاولت نقل الأحاسيس بين الصعود الحاد والهبوط الهادئ، لم تصنع كثيراً من التفاصيل في المنزل كي لا تكسبه خصوصية بقدر تحويله لنموذج يتقاطع مع غالبية البيوت السورية المتعبة إثر الغياب والفقد، ولم تغب موسيقى كرم صليبي التي حملت طابعاً شرقياً برز فيها القانون ليقترب أكثر من تهدجات الروح واضطراب الشخصيات وما تعانيه من قلق وريبة.
لكنّ الدراما مهما قاربت الواقع وحاولت ملامسة الجرح لا تزال معاناة السوريين في الوصول لأبنائهم المفقودين مستمرة، هناك ضحايا سقطوا بعد رحيل النظام ولم يحاسب من قتلهم، وهناك أمان مفقود في كثير من بقاع سوريا، هو طريق طويل لا يكفيه “يوم وشوي” لكنها مرحلة جديدة في تاريخ هذه البلاد سنحياها بمرها وحلوها وننتظر أناس مرهفي الحس مثل يمان لتصويرها درامياً كما هي دون رتوش.