سمن على عسل.. توليفة كوميدية بطابع الـ “بان أراب”

بقلم: أنس فرج

أسدل موسم الرياض ستاره عن المسرحيات السورية، وجاءت الرابعة والأخيرة تحت اسم “سمن على عسل” عن نص للكاتب السوري ممدوح حمادة والمخرجة المصرية بتول عرفة.

وحيث لا يمكن محاكمة النص المسرحي الرابع كالنصوص الثلاثة السابقة كونها اتكأت على أعمال سابقة أو مسرحيات قديمة طوّرت لتناسب موسم الرياض والإمكانات التقنية وطبيعة التلقي، فإنّ “سمن على عسل” تحمل تداخلاً بعناصرها يظهر مربكاً في مكانٍ ما وغنياً في مكان آخر.

فإحساس الكاتب ممدوح حمادة وطريقته ببناء الشخصيات ظاهرة عبر فرضية سبعة أشخاص يجمعهم بيت واحد فتتقاطع العلاقات فيما بينهم رغمّ أنّ كلّ منهم ينتحل شخصية غير شخصيته الحقيقية.

وأعمال المكان الواحد هي من الأغنى في سياق صناعة الحدث لتعتمد على مفارقات تجمع الشخصيات التي تتلاقى أحياناً وتفترق أحياناً أخرى في دوامة كأنها حلقة دائرية متكررة لا تبتعد في جوها عن الديكور نصف الدائري الذي يتوسط خشبة المسرح.

إلا أنّ المسرحية بالمقابل حملت من الارتجال مساحة منحت للشخصيات قدراً من  التفاعل المباشر مع الجمهور ومحاولة لعب كل منهم في مساحته الخاصة ليتباين الأداء في مرحلةٍ ما وتتغلب الشخصية بالكاركتر والحركة على مدى ترابط النص واستمرارية المشاهد بتلقائية، وهذا التباين عزّزه اختلاف طريقة كتابة ممدوح حمادة للكوميديا عن طريقة بناء المخرجة بتول عرفة للمشاهد ليبدو هذا الانسجام متأرجحاً على حساب انسياب العرض من بدايته لنهايته.

مقابل ذلك حضرت الكوميديا القائمة على الطرافة والمواقف في محطات عديدة ما صنع ضحكات حقيقية عند الجمهور متعدد الجنسيات في مسرح محمد العلي والذي اختبرته المخرجة بتول عرفة لعدة مواسم فعرفت الوصفة السحرية المناسبة وجاء اختيار الممثل المصري الواعد أحمد عبد الوهاب كشخصية رئيسية في العرض لإغناء إيقاع العمل وهنا كان اللجوء لفرق اللهجات بين سوريا ومصر، واختلاف الثقافة المجتمعية في تفسير بعض المفردات لتقدم حساً طريفاً أخرج العرض من سياق الدوران حول كشف الأسرار ومنحه مرونة أكبر في طريقة التقديم والتفاعل.

أما الأداء فكان قريباً لشخصية كل ممثل وذاكرة الجمهور عن رصيده الكوميدي لا سيما النجمين أيمن رضا وشكران مرتجى، اللذين غابا عن المسرح لسنوات طويلة وعندما عادا اختارا تبني الحكاية بأدوات لفظية وحركية يتقنانها على الشاشة وأعادوا بلورتها على الخشبة.

بالمقابل قدّمت النجمة جومانة مراد حركة ملفتة على المسرح الذي تعتليه لأول مرة فبدت أحياناً في قلب الشخصية وأحياناً تحاول التمسك بها بأكبر جهد ممكن مع الحفاظ على حسها الرقيق الذي عُرف عنها منذ بداية مسيرتها وإن ابتعدت عن الكوميديا لسنوات، لكنّ الفضل يعود لها بإنتاج عملين خفيفين يحملان خصوصية عالية من ناحية البناء وطرح الواقع وهما “سيرة الحب” و “هيك اتجوزنا”.

أما النجم معتصم النهار فبدا متبنياً لشخصية الكاتب “برهان” منذ المشهد الأول ولم يفتعل تقديم الكوميديا فجاءت شخصيته في صف الأكثر أماناً لانضباط انفعالاتها وطبقة صوتها وحضورها في المشاهد، وتقاسمه الانضباط الممثلة الشابة سارة بركة التي لم يمر وقت كثير عن عودتها للخشبة فما زالت تحمل من الحيوية في الحركة وأدوات الجسد مرونة عالية أظهرتها في موقعها الصحيح.

ويتبقى في السلسلة الفنان اللبناني فؤاد يمين صاحب التجربة الواسعة في الكتابة الكوميدية، وإن بدا حضوره أمام إمكانياته خجولاً على تركيبة العمل في بعض الأماكن لكنه حاول اقتناص الفرص لتقديم أسلوبه الكوميدي الخاص به في إلقاء الطرفة، لكّن تعدد الشخصيات التي ظهر بها في العرض لم يأتِ مبرراً أو ذات رمزية مقارنة بتجارب مسرحية سابقة كشخصية النجم محمد حداقي في مسرحية “ولادة مبكرة”.

وبينما يبرز الديكور بالشاشات وطريقة حركة الغرفة الرئيسية ملفتاً للنظر لم يسرق العين من الأداء وهذه نقطة تحسب للمخرجة التي استغلت الديكور بشكل كبير لإدخال الممثلين وإخراجهم من زاويا مختلفة وبطرق متعددة وإن شاب بعض المشاهد الركاكة بصناعة مبرر خروج الممثل من الخشبة.

في حين جاءت الموسيقى بغير مكانها ولعلها الأضعف في إطار مسرحيات موسم الرياض الأربعة، فاعتمدت على تقنية البلاي باك وبدا الاستعجال في تنفيذها دون أن ترتبط بفكرة المسرحية أو اسمها ولو كانت الفكرة العامة تقديم الحب كحامل أساسي للحكاية لكّن التشتت بين المواقف الكوميدية والارتجال أضاع الخط العام وجاءت الموسيقى مضافة على العرض بدل أن تغنيه في الشكل الصحيح مقارنة باستعراضات غنائية قدّمت في مسرحيات سورية سابقة أو حتى مصرية.

ختاماً، قد تحمل “سمن على عسل” من نقاط القوة عدداً وفيراً لكن لا يمكن إغفال سرعة الإنجاز في البروفات وتأثيرها على الشكل النهائي مع انعكاس الخلطة العربية على صورة العرض وبيئته، ليكون ختام العروض السورية في موسم الرياض فرصة لإعادة نجوم كبار للمسرح وتجريب تقديم خلطة عربية مشتركة على الخشبة بعد انتشار مثل هذه التجارب في الدراما، ليضيف كل أحد من ناحيته ما استطاع تقديمه لإخراج المسرحية بأفضل صورة ممكنة.