لم يكن صعود المغنّية والكاتبة الأميركية بيلي إيليش إلى مسرح حفل جوائز “غرامي 2026” بعد فوزها بجائزة أغنية العام عن Wildflower لحظة احتفاء فني خالصة، فبدلاً من الحديث عن العمل الفائز أو التجربة الموسيقية، افتتحت إيليش خطابها بجملة صادمة:
«لا يوجد أحد غير قانوني على أرضٍ مسروقة»، في إشارة مباشرة إلى سياسات الهجرة التي تنتهجها شرطة الهجرة والجمارك الأميركية بحق المهاجرين غير النظاميين.
لم تكن إيليش استثناءً، فالرابر البورتوريكي باد باني، الذي صنع التاريخ بفوزه بجائزة ألبوم العام باللغة الإسبانية للمرة الأولى، استغل لحظة تتويجه للمطالبة بطرد شرطة الهجرة والجمارك، قائلاً:
«نحن لسنا متوحشين، ولا حيوانات، ولا كائنات فضائية… نحن بشر»، ما دفع الجمهور للوقوف والتصفيق مطولاً.
على السجادة الحمراء، ارتدى عدد كبير من النجوم دبابيس تحمل عبارة ICE OUT، في مشهد اعتبره البعض تحوّلاً صريحاً لحفل موسيقي عالمي إلى منبر سياسي، لا سيما بعد تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته ومهاجمته العلنية للمهرجان.
ليست هذه المرة الأولى التي يتقاطع فيها عالم المشاهير مع السياسة، فقد أثارت تايلور سويفت جدلاً واسعاً خلال الانتخابات الأميركية الأخيرة بدعمها المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، فيما واجهت نيكي ميناج موجة انتقادات موخراً بعد إعلان دعمها للرئيس ترامب وظهورها العلني إلى جانبه.
ولا يبتعد العالم العربي كثيراً عن هذا المشهد، إذ تحوّلت بعض المهرجانات الفنية وخطابات التكريم إلى مساحات اشتباك سياسي، دفعت بالمشاهير إلى قلب الاستقطاب، وعرّضتهم لهجوم حاد من شرائح مختلفة من الجمهور.
استطاعت جوائز Joy Awards، التي تُقام في العاصمة السعودية الرياض، أن تلفت الأنظار عربياً ودولياً، مع نجاحها في استقطاب أبرز نجوم الفن، وصولاً إلى استضافة نجمة البوب العالمية كاتي بيري في نسختها الأخيرة.
وبينما رأى البعض في ذلك إنجازاً فنياً، اعتبره آخرون جزءاً من استراتيجية أوسع، تتجاوز الترفيه إلى الترويج الواضح لرؤية المملكة القائمة على جعل الفن والترفيه والرياضة أدوات قوة ناعمة.
فبعد أن كانت المشاريع الفنية السعودية تُنفَّذ خارج البلاد، من بيروت كمركز لبرامج MBC، إلى دبي كمقر لقنواتها الفضائية، باتت الرياض اليوم مركز الثقل، وذهب بعض المراقبين إلى اعتبار هذا التحوّل محاولة لسحب البساط من الإمارات، التي تنافس السعودية بقوة في استقطاب المهرجانات والنجوم.
غياب أسماء إماراتية بارزة مثل أحلام وحسين الجسمي عن الحفل فُسِّر من قبل البعض على أنه انعكاس لمنافسة خليجية غير معلنة، فيما أثار الإطراء الواسع الذي قدّمه معظم المُكرَّمين للنهضة السعودية تساؤلات حول كونه مجاملة ظاهرة بغطاء فني.
ويبرز في هذا السياق تكريم رئيس مجلس إدارة مجموعة beIN، ناصر بن غانم الخليفي، بجائزة “صنّاع الترفيه”، بعد سنوات من الخلاف السياسي مع قطر، في المقابل، اختارت الإمارات مساراً مختلفاً، عبر توقيع مؤسسة دبي للإعلام مذكرة تفاهم مع وزارة الإعلام الكويتية، ما اعتبره البعض جزءاً من منافسة خليجية تُدار من بوابة الفن والإعلام.
لم تكن العلاقات السياسية بعيدة عن التأثير في المشهد الفني، فعودة الاهتمام بالفنانين السوريين، وتخصيص فقرة كاملة للدراما السورية في النسخة الأخيرة من Joy Awards، سبقتها لقاءات بين المستشار تركي آل الشيخ وعدد من الفنانين السوريين، في ظل التقارب السياسي السعودي–السوري الأخير.
بعد سنوات من مقاطعة الدراما السورية خلال الخلاف مع نظام بشار الأسد، تغيّر المشهد مع سقوط النظام وبروز واقع سياسي جديد، الأمر نفسه انسحب على الحضور التركي اللافت، سواء من خلال استضافة نجوم أتراك، أو موجة تعريب المسلسلات التركية، والتي ربطها البعض بالتقارب السعودي–التركي.
أما الخلاف المغربي–الجزائري حول ملف الصحراء المغربية، فقد انعكس بدوره على الساحة الفنية، إذ أعلنت الفنانة المغربية أسماء لمنور رفضها إحياء حفلات في الجزائر، وترددت أنباء عن فصل موظفين من إذاعة مستغانم عقب بث أغانيها، فيما غابت الأسماء الفنية من كلا البلدين عن مهرجانات مشتركة.
أصبحت خطابات التكريم لحظات مترقّبة من الجمهور والإعلام، غالباً ما تتحوّل إلى “تريند” بسبب ما يُقال… أو لا يُقال
فلم تسلم أصالة نصري من النقد بعد شكرها دول عديدة أثناء تكريمها في كل بلد، ما اعتبره بعض الجمهور السوري تنكّراً لبلدها الأم، رغم أنها سبق أن استخدمت منصّات فنية لإيصال رسائل سياسية صريحة، أبرزها موقفها الداعم للثورة السورية حيث حصلت على جائزة أفضل مطربة عربية بالتصويت الجماهيري عام 2012 في مهرجان “تايكي” للجوائز في الأردن، لتقول بأنها وقفت مع الثورة السورية وبأن الأصوات التي حصلت عليها في التصويت كانت لموقفها الإنساني وليس لألبومها.
وشهدت جوائز الموريكس دور بدورها سلسلة مواقف سياسية، منها رسالة مكسيم خليل حين قرر توجيه رسالة حول المعتقلين في سجون نظام الأسد وتحديداً الفنانين منهم مثل زكي كورديللو وابنه مهيار، والكاتب الدرامي عدنان الزراعي وغيرهم، فيما أهدى مواطنه الفنان عابد فهد نفس الجائزة عام 2018 للجيش السوري النظامي ما فتح النار عليه من صفوف المعارضة.
أما الفنان تيم حسن فقرّر توجيه رسالة مختلفة حينما حصل على نفس الجائزة للمصارف اللبنانية بعد أزمة الأموال المودعة، طارحاً سؤال “وين مصارينا؟” أما جائزة أدونيا للدراما السورية فشهدت سلسلة من العتب والنقد من الفنانين أثناء اعتلاءهم المسرح لتكريم زملاءهم لعدم حصولهم على جائزة، ومنهم الفنانة شكران مرتجى والتي قالت مازحة إنها لا حظّ لها بأن تنال تكريماً من بلدها، ولهذا فربما ستذهب برفقة زميلها عبد الله حصوة إلى كوريا ليتم تكريمهما هناك، كما صعد الكاتب الدرامي عدنان العودة في نفس الدورة ووجه رسالةً ضد لجنة التحكيم التي لم تعطه جائزة قائلاً «شكراً لهذه اللجنة الجدانوفية».
وقد تسببت خطابات التكريم خلافات فنية من نوع مختلف، إذ هاجمت الفنانة إليسا الإعلامية رزان المغربي في حفل توزيع جوائز الموسيقى العربية واتهمت مواطنتها بأنها شكّت بنزاهة جائزة “World Music Awards” وبأنها دفعت ثمنها رغم مرور سنوات طويلة على الحادثة، فيما حدثت قطيعة فنية بين إليسا والموزع الموسيقي جان ماري رياشي لأنها تجاهلت ذكر اسمه في خطاب التكريم حينما حصلت على جائزة أفضل ألبوم عن “أحلى دنيا” الذي أشرف بنفسه على توزيعه واختياراته بالكامل.
وقد يترافق خطاب التكريم مع إحراجات معينة يتعرض له الفنان المكّرم, مثل الممثل المصري ياسر جلال ذكر معلومة غير مثبتة تاريخياً حول إرسال الجزائر قوات صاعقة لمصر في نكسة حزيران واضطر للاعتذار بعدها, أما شيرين عبد الوهاب فقررت توبيخ المغني محمد عساف الذي كان حاضراً لتكريمها بجائزة أفضل مغنية عربية في “الموريكس دور” لأنه لا يتواصل معها، فيما اضطرت هند صبري لتصحيح ما قاله باسم يوسف حينما دعاها لتقديم جائزة أفضل ممثل في أيام مهرجان قرطاج السينمائية وقال أنه يعتبرها مصرية, لتعتلي المسرح وتقول مازحة “مش يعملي مشاكل يا خويا, تونسية تونسية”
تعتمد بعض الأنظمة والمهرجانات على التكريم الفني كأداة لتلميع الصورة، فقد اعتُبر “معرض دمشق الدولي” إحدى محاولات نظام الأسد لكسر العزلة، عبر استضافة فنانين عرب ونشر صور رسمية معهم.
وفي مصر، شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في فعاليات بحضور نجوم وجّهوا له رسائل دعم، ما فسّره البعض في إطار التسويق السياسي.
في المقابل، تُستخدم بعض المهرجانات كأداة ترويج سياحي، مثل مهرجان الجونة السينمائي، الذي يرى منتقدوه أنه يروّج للمدينة أكثر مما يحتفي بالسينما.
لا يقتصر الجدل على الخطابات، بل يتجاوزها إلى سؤال أعمق:
هل يُفترض بالفنان أن ينخرط في السياسة، أم أن يحافظ على مسافة واحدة من الجميع؟
هذا السؤال حاولت فيروز تجسيده خلال العقود الماضية، في بلد منقسم كلبنان، فيما شهد التاريخ انتقال شخصيات فنية إلى مناصب سياسية عليا، أبرزهم الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، عربياً، لم يُخفِ الفنان السوري جمال سليمان يوماً طموحه السياسي.
بين الفن والسياسة، يبدو أن منصّات التكريم لم تعد مجرد احتفاء بالإبداع، بل مرآة لصراعات أوسع… تُقال أحياناً على وقع التصفيق