2 قهوة.. حين نعيد اكتشاف العلاقات ونحن داخلها!

بقلم: أنس فرج

من عالم الرسوم المتحركة وتصميم التترات، قدم المخرج عصام نصار إلى الدراما، لينجز مؤخراً مسلسل “2 قهوة” الذي عاد وجمعه بالفنان المصري أحمد فهمي بعد قصة “ألفريدو” وفي أول تجربة في الدراما المصرية للفنانة السورية مرام علي بعد انتشار اسمها عربياً عقب عرض مسلسل “سلمى”.

تبدأ الحكاية التي كتبها عمرو محمد ياسين المشهور بنصوصه المشبعة بالرومانسية من كافية في منطقة الزمالك بالقاهرة المعروفة بعراقتها التاريخية وتنوعها الثقافي، لتطّل “نيللي نسيم” من درج المكان الذي تديره ويحمل اسم “2 قهوة” ولتشكل هذه المساحة الجزء الأكبر من حكاية المسلسل وفي غالبية المشاهد بحوارات تجري على الطاولة لتنسجم الصيغة بين اسم العمل والكافية وبنية الحكاية.

ورغم أنّ المسلسل يقدم حكاية الحب الكلاسيكية المعتادة في الدراما، إلا أنّ هناك الكثير من التفاصيل التي صنعت خصوصية هذا العمل وجعلت إيقاعه متماسكاً لثلاثين حلقة وهذا ما بات صعباً خاصة مع انتشار المنصات الرقمية وازدياد عدد المسلسلات القصيرة.

نيللي “السورية” في حدوتة مصرية

على غير العادة، تمكنت مرام من تقديم شخصية درامية باللهجة السورية ضمن نطاق عمل مصري، وهذا نادر الحدوث حيث اعتاد الفنانون السوريون على إتقان اللهجة المصرية حين الانتقال للقاهرة والتدرب عليها لعدم إظهار أي فرق بين الشخصية التي يلعبونها وباقي الشخصيات وبعضهم أجاد ذلك حتى ذابت لهجته بين لهجات بقية الممثلين، إلا أنّ مرام استفادت من حضور دورها الأخير في “سلمى” وعرضه على قنوات مصرية محلية لتنجز شخصية “نيللي” بلهجة سورية خالصة وصناعة مبرر لذلك كونها شابة سورية في الحكاية قدمت من دمشق بعدما تربت مع والدتها المنفصلة عن زوجها المصري المقيم في القاهرة.

“نيللي” تحركت ضمن الحكاية بطلاقة ورشاقة مع ابتسامة على وجهها في غالبية المشاهد، فساتين ملونة ودراجة هوائية للتنقل بين الكافية والمنزل وعلاقات اجتماعية غلب عليها الطرافة ما جعل الجمهور في لحظة ينسى معاناة “سلمى” ويتفاعل مع “نيللي” رغم تزامن عرض العملين معاً في البداية.

الإعلام بكواليس لا يعرفها الجمهور

مع أن العديد من الأعمال الدرامية طرحت كواليس قنوات التلفزيون، لكن “2 قهوة” دخل بشكل أعمق إلى خفايا الإعلام الخاص من بوابة قناة تسمى “المصري” تجري فيها أحداث الحكاية لتكشف التنافس بين الزملاء وتغيير هوية القناة بمجرد تغير الممول، مع حرص على عرض تفاصيل القناة من اللوغو والتصاميم والاستديو ما يجعل المتابع يقتنع أنها قناة حقيقية مع التركيز على تداخل العلاقات الشخصية مع المهنية ما يؤثر بشكل سام على سير العمل الإعلامي.

الصداقات وتداخل المشاعر

لعل من أبرز نقاط القوة في الحكاية، هو التطرق لمفهوم المساحة الشخصية في العلاقات الاجتماعية، انطلاقاً من شخصية “نيللي” الودودة التي قطعت رحلة طويلة في إدارة قهوتها الخاصة برفقة أصدقاء كانوا معها منذ انتقالها إلى مصر، لكّنها وبظل لطافتها العالية أفسحت لهم المجال لتجاوز مشاعر الصداقة والوقوع بغرامها.

وهنا جاء تقديم شخصية “نيللي” بعيداً عن النموذج التقليدي كفتاة تغري من حولها للحصول على مصالحها، بل كشخصية واثقة من نفسها تتعامل مع أصدقائها بلطف شديد ولو على حساب أمانها واستقرارها النفسي ما يجعلها عرضة للمشاكل على مدار حلقات العمل خاصة بعد وقوعها في غرام د. يحيى الوكيل الإعلامي المشهور في الحكاية وإخفائهما قصة غرامها نظراً لشهرته ما يتسبب لها بمشكلات لا تستطيع حلها كونها لا تمتلك إدارة التحكم بصداقتها ومساحة وجود من تحب في حياتها.

الموسيقى والصورة تتفوقان

مع رونق الحكاية المليء بالمشاعر، جاءت الصورة لتدعم الجو العام، فلم تغب اللوحات كما البيانو عن كافية “2 قهوة”، الورود التي تملأ الخلفية، لينتقل الفن
إلى مشغل “د. يحيى” حيث المنحوتات الفنية والعمل بالصلصال بشكل يدوي، فضلاً عن ألوان الديكور في منزل “نيللي” ما صنع صورة متنوعة من اللوكيشنات وغنى في التفاصيل ما ينسجم مع طبيعة الشخصيات دون عرض مبالغ فيه للترف كما جرت العادة بغالبية مسلسلات الطبقة الثرية في مصر. 

كما حضرت الموسيقى بخط مرافق لطبيعة الأحداث وجاء الختام على طريقة فرقة “واما” التي يشكل أحمد فهمي أبرز أعضاءها بأغنية “الطريق” مرافقة لمشهد الختام وبجو لا يبتعد عن صداقة “واما” الممتدة لسنوات وبحضور أحمد الشامي كممثل في المسلسل، وصوت محمد نور في الأغنية.

الصدق يرفع سوية الإقناع

مع العناصر السابقة، يضاف لخصوصية المسلسل الصدق الذي تبنته الشخصيات في الأداء دون تكلف أو مبالغة بل تشرب للشخصيات وحركاتها وعوالمها، مع جيل شاب من الممثلين أغنوا للحكاية وصنعوا مسارات موازية للقصة الرئيسية على عكس ما تفعله مسلسلات قصة الحب بالتركيز على البطلين دون غيرهم، لنلمح في كل شخصية جانب إنساني وصراع بين الرتابة والحداثة، بين الانغلاق والانفتاح، بين الذكورية والتقبل، بين الصداقة والحب.

المشاهدة بهدوء دون ضجيج التريند

يحسب لـ “2 قهوة” الابتعاد عن صناعة مشاهد خاصة للتريند، والتركيز على إيقاع هادئ متوازن لتطور الحكاية والترنح بخط العلاقة بين الصعود والهبوط، وصولاً لعقد متلاحقة حتى النهاية السعيدة المتوقعة دون الإغراق في مشاهد الحب المبالغ فيها لصالح عرض التقلب بالمشاعر والصراع بين الأنا الداخلية وتقبل الشريك بكل ما يحمل من ماضي وواقع.