أمل عرفة.. نجمة سوريا في قلب التحولات

بقلم: عبد السلام المطر

ليس من السهل على الكاتب، وهو يشرع في تدوين سيرة فنية لامرأة عاشت في “عين العاصفة”، أن يدّعي الحياد البارد؛ فبعض التجارب الإبداعية لا تُقرأ من الخارج، بل تُعايَش كجزء من الذاكرة الجمعية لا الأرشيف الصامت. وأنا أكتب عن أمل، لا أكتب عن “نجمة” بالمعنى الاستهلاكي العابر، بل عن ظاهرة فنية تشكلت في أتّون التحولات السياسية والاجتماعية السورية، فتأثرت بها وأثّرت فيها.


يبرز السؤال الجوهري هنا: ليس عما قدمته فحسب، بل في قدرتها الفذة على البقاء والتغيّر، وإعادة تعريف ذاتها في كل منعطف دون أن يمسّ الوجع جوهرها. فهل كان اسم “نجمة الصبح” في بداياتها نبوءةً ترسم قدرها؟ أم أن ضفائرها التي عانقتنا في “صباح الخير يا وطنا” كانت تخطّ ملامح فنانة شاملة، أجهدها الحصار في إطار “الفن المحلي” الذي ضاق بروحه المتمردة؟


زمن العار.. والمنعطف الذي لم يُقرأ

لا يزال الحضور الأيقوني الذي دشّنته سلافة معمار في “زمن العار” (2008) حيّاً في الأذهان، حين قدمتها رشا شربتجي ككائن درامي مكتمل، محمل بالقلق والطبقية والانكسار. كان ذلك الدور مفتاح نجومية محسوبة بدقة. غير أن ما توثقه الشهادات الصحفية يؤكد أن “بثينة” كانت مكتوبة أساساً لأمل عرفة، وأن اعتذارها عنه – لأسباب تراوحت بين المزاج الفني والحسابات الشخصية – فتح الباب لتبدلٍ في الخارطة الدرامية لم يكن مجرد تفصيل عابر.


هنا يبدأ التساؤل النقدي، لا عن استحقاق سلافة، بل عن “المنعطف” الذي غادرت فيه أمل ملعبها الطبيعي؛ ذلك الملعب الرمادي بين الكوميديا السوداء والتراجيديا النفسية، حيث لا يجيد اللعب سوى الكبار. فليس من الهيّن أن تجرؤ ممثلة على تقمّص “غادة” في “غزلان في غابة الذئاب”، و”نادين” في “ذكريات الزمن القادم”، ثم “حسيبة” و”أماني” و”مدى”، دون أن تسقط في فخ التكرار. تلك كانت أمل حين كانت تسير بحدسها لا بمسطرة الحسابات.


«عشتار».. ذروة التوحد الوجودي


يشكّل مسلسل «عشتار» (2004) ذروة خاصة، ليس لنجاحه الجماهيري، بل لكونه تجربة “تكاملية” نادرة: تأليفاً، وكتابةً، وتمثيلاً، وغناءً. في هذا العمل، لم تؤدِّ أمل دوراً كُتب لها، بل كتبت “ذاتها” عبر الشخصية، وأعادت قراءة الأسطورة الأنثوية في سياق معاصر. لقد تجلت المرأة هناك ككائن مركّب (عاشق، غاضب، وهشّ)، في أداء اعتمد “اقتصاد الحركة” والتركيز على سطوة العين والصوت الداخلي، إدراكاً منها بأن الكاميرا تلتقط “الفكرة” قبل “الحركة”.


لقد توزع نبوغها بين الشاشات والميكروفون؛ ففي التقديم التلفزيوني، كانت المذيعة التي تملك ناصية الحوار بكاريزما لافتة، من “أمل بعد الإفطار” بعفويته في التسعينيات، إلى “لو كنت مكاني” (2006) الذي شرّح قضايا المجتمع بجرأة، وصولاً إلى برنامج “فيه أمل” (2018) الذي نبش في ذاكرة المبدعين العرب برقيٍّ واقتدار

.
حنجرة الذاكرة وشجن الألبومات


أمل هي صاحبة الحنجرة التي لا تُخطئها الأذن. من ألبومها “إلى من يهمه أمري”، إلى أغنياتها المنفردة التي سكنت الوجدان مثل “نظرة فابتسامة”، وصولاً إلى “دور ع حالي” التي صاغت كلماتها بنفسها ولحنها مروان خوري، لتؤكد أنها فنانة “عابرة للتصنيفات”. لم يكن الغناء لديها تزييناً، بل كان امتداداً لسرديتها الفنية، تماماً كما كانت تكتب نصوص شارات مسلسلاتها بوعي الشاعر.
إن تميّزها عن جيلها يكمن في “الاستقلالية”؛ فهي لم تكن ابنة مؤسسة تحميها، بل شقت طريقها بقرارات مكلفة أحياناً، مراهنةً على “التراكم” في زمنٍ راهن فيه الكثيرون على الضجيج والشكل. وهنا يحق لنا أن نتساءل: إلى متى سنظل “بخلاء” في إنصاف أمل عرفة في وسطٍ غلبت عليه الذكورية والجحود لفترة طويلة؟ إن الإجحاف بحق هذا “المشروع الفني” المتكامل هو تقصير نقدي بحق تجربة لم يقترب من تخومها أحد حتى اليوم.


الخفوت.. واستعادة الملعب


بعد عام 2010، لم تخفق أمل، لكنها فقدت “نشوتها” الفنية. مرّت أعمال مثل “أسعد الوراق” و“المفتاح” و“رفة عين” و“دنيا 2015” باحترافية مشهودة، لكن الشغف كان مؤجلاً، وكأنها تراقب التيار من مسافة.
لكن “سماهر” في “شارع شيكاغو” كانت الصرخة التي أعادتها لملعبها، ثم جاءت “حارة القبة” لتنعش شوق الجمهور. واليوم، تقف أمام دور “نورا” في “مطبخ المدينة” – الدور الذي اعتذرت عنه سلافة معمار وقبلته أمل باستحقاق – لنقف أمام تساؤل ثقيل: هل نحن أمام تبدل حقيقي في المواقع؟ هل تستعيد أمل خط نجوميتها الذي أضاعته حين اختبأت طويلاً خلف حساباتها؟


الخاتمة: نورا والتحرر من “بيت الدمية


اليوم، تقدم أمل عرفة “نورا” في “مطبخ المدينة”. وبعيداً عن أحداث المسلسل، تذكّرنا أمل بـ “نورا” في مسرحية “بيت الدمية” لهنريك إبسن؛ ليس لتمردها فحسب، بل لكونها امرأة تكتشف ذاتها تدريجياً وتنتزع دورها من القوالب الجاهزة.
مثل نورا إبسن، لم تغادر أمل “البيت” دفعة واحدة، بل غيرته من الداخل، ثم خرجت حين صار الخروج ضرورة أخلاقية وفنية. أمل عرفة ليست ممثلة عادية تُقاس بالمواسم، هي “حالة”؛ والحالات إما أن تُدار بالحدس أو تُستنزف بالحسابات. بين “نجمة الصبح” و“مطبخ المدينة”، ثمّة خط نجوميةٍ آن له أن يستقيم ويعود لبريقِهِ الأول.. إن أرادت أمل أن تعود إليه، لا أن نكتفي نحن بانتظارها عنده.