التِّلْفازُ مِنْ لَوْحَةٍ

بقلم: عبدالسلام المطر

لم يكن عام 2011 عامًا عاديًّا في ذاكرة الدراما السورية؛ ففيه اجتمعت أمل حنّا والمثنّى صبح على عملٍ بدا كأنّه يُعرَض من وراء زجاج مُعتَّق، «جلسات نسائية»، عملٌ لم يُشاهَد كـمسلسلٍ بل كمعرضٍ مفتوحٍ تُقلّب فيه اللوحات صفحةً بعد صفحة، وتنساب منه قصص النساء كخيوطٍ دقيقةٍ تُحاك ضمن نَفَسٍ واحد، ووجعٍ واحد، وانتظارٍ واحد.

لكنّ هذا المعرض لم يكن مكتملًا لولا ريشة صفوان داحول؛ تلك الريشة التي جاءت بطلاً إضافيًّا، خفيًّا، يطلّ من بين السطور. كانت لوحاتُه مفاتيحَ تكشف أرواح النساء الأربع، وتضع كلّ واحدةٍ منهنّ في إطارٍ يُشبه صوتها الداخلي أكثر ممّا يُشبه صورتها الظاهرة.

فـ عايدة، بجلستها المسترخية وزوجها النائم خلفها، لم تكن مجرّد لوحةٍ لامرأةٍ مرتاحة، بل كانت صورةً لطمأنينةٍ لا تعيشها المرأة إلّا حين يهدأ مَنْ تحبّ، فيسقط قلقها وتبقى وحدتها ناعمة.
و هالة، الأرملة التي تطلّ من نافذتها الضيقة، لم تكن تنظر إلى الشارع بل إلى خوفها. كانت نافذتها مرآةً تُعيد إليها صدى خسارتها كلّما حاولت أن تتنفس.
أمّا رويدة فكانت المرأة التي تبحث عن ظلّ الحبّ في المرآة؛ ترى الرجل الذي تحبّه حين تنظر إلى صورتها، ولا تجده حين تلتفت إلى حياتها. وكأنّ المرآة تفهمها أكثر ممّا يفهمها الواقع.
و سلمى، التي فاتها ركب الزواج المبكر ، كانت لوحتها فنجانَي قهوةٍ على طاولةٍ فارغة. هي والفنجانان حاضران، والرفيق غائب؛ وكأنّ الحياة تُذكّرها كلّ صباح أنّ النقصان لا يُغطّيه أحد.

بين هذه اللوحات كانت الكاميرا تنساب في حديقة المتحف الوطني في دمشق تمرّ على منحوتاتٍ تُشبه تفاصيل الشخصيات أكثر ممّا تُشبه الحجر. كانت تلك المنحوتات تتكلّم بصمتٍ شديد: تُخبرنا من يخاف، من يخون، من ينتظر، ومن يعيش وهو يدفن صوته بين ضلوعه.

كان المسلسل، في جوهره، درسًا عميقًا في طبيعة الدراما السورية:
الاعتماد على الحالة، لا على الحدث.
على ما يختلج في النفس، لا على ما يحدث أمام العين.
لذلك نحن نتذكّر «هالة» و«عايدة» و«رويدة» و«سلمى» كما لو كنّ نساءً نعرفهنّ، ونتذكر مشاهدهنّ كأننا كُنّا هناك، نراقب من خلف الكواليس، وننسى عمدًا أنّ الكاميرات كانت واقفة.

حتى لوحات داحول… أغوت المشاهدين إلى حدّ أنّهم لم يعودوا يسمّونها «لوحات صفوان»، بل «لوحات جلسات نسائية».
ذابتْ هويّة الفنّ داخل الدراما، وتداخل الخيال مع الواقع، وصارت اللوحة جزءًا من الحكاية، والحكاية جزءًا من الذاكرة.

وهذا ما يجب أن يبقى: أن يظلّ الفنّ السوري وفيًّا لوجوه الناس، لأسئلتهم، لنوافذ نسائهم، لقلق مدينتهم، ولتلك اللحظة التي تتنفّس فيها امرأةٌ سورية من وراء زجاج وتقول شيئًا لا تسمعه إلّا نفسها .