ڤيڤا لاڤيتا.. تحرر شكسبير من قدره : المسرح حين يجرؤ على كسر المأساة

بقلم عبد السلام المطر

ليس ما قدّمته رغداء شعراني، منذ «تيامو» وحتى «فيفالا فيتا»، مشروع اقتباسٍ شكسبيري، ولا محاولة تحديثٍ بريئة لنصوصٍ أُنهكت شرحًا وتمجيدًا. ما نحن أمامه، في جوهره، هو صدام مباشر مع فكرة القدر المسرحي نفسها؛ ذلك العمود الفقري الذي قام عليه المسرح التراجيدي منذ الإغريق وصولًا إلى شكسبير. هنا لا يُعاد تمثيل المأساة، بل يُفكَّك منطقها، ويُختبر: هل ما زال الإنسان المعاصر قادرًا على احتمال قدرٍ مكتوب؟ أم أن القدر ذاته صار عبئًا دراميًا يجب خلخلته؟

 

 

في «تيامو» (دمشق، 2009) كان الاشتباك مباشرًا مع التراجيديا، محاولة لتفكيك المصير الشكسبيري وإعادة صياغته اجتماعيًا. العرض اتكأ على كثافة شعورية عالية، وعلى مزج نصوصي بدا جريئًا يومها، لكنه حمّل التجربة ثقلًا حدّ من انتشارها. لم يكن الضحك عنصرًا فاعلًا، بل استثناءً عابرًا داخل مناخ قاتم.

أما «فيفالا فيتا» (الرياض، 2026) فيقدّم انتقالًا واعيًا: إدخال الخط الكوميدي كجسر تواصل. الكوميديا هنا ليست تهريجًا ولا خيانة للتراجيديا، بل أداة تبسيط محسوبة لجمهور غير مثقل بتاريخ مسرحي تقليدي، جمهور متعطّش للتجربة لا للمقارنة. هذا الخيار يفسّر التخفف من الرمزية الثقيلة، والاقتراب من الأداء بوصفه حدثًا حيًا يولّد ضحكًا لحظيًا دون أن يُسقط الفكرة.

 

 

تبدّل الاسم من «تيامو» إلى «فيفالا فيتا» ليس تفصيلًا تسويقيًا. الأول يشي بعاطفة مغلقة، شبه سرّية، والثاني يعلن احتفالًا بالحياة، ويعد المتلقي بطاقة دخول أقل حدّة. الاسم الجديد يهيّئ المتفرّج لنبرة مختلفة، ويؤكد أن العرض لا يطمح إلى استعادة شكسبير كما هو، بل إلى تقديمه بوصفه مادة قابلة للمعايشة.

على مستوى البناء، يستمر المزج بين «روميو وجولييت» و«هاملت»، مع تجاهل «عطيل». هذا التجاهل يبدو مقصودًا: «عطيل» نصّ الغيرة والعنف والقتل، بينما اختارت التجربة شخصيات يمكن إعادة تدويرها اجتماعيًا دون انفجار أخلاقي حاد. حضور «أبو هاملت» يأتي بوصفه ذاكرة ثقيلة، شبحًا للسلطة الأبوية، لا عقدة نفسية فحسب.

 

 

تهمة فقدان التماسك الدرامي التي لاحقت «تيامو» تعود جزئيًا في «فيفالا فيتا»، لكنها أخف وطأة. المزج ما يزال تجريبيًا، إلا أنه أقل فوضى، أقرب إلى عرض بصري استعراضي واعٍ بحدوده. هنا يُستبدل الصراع التراجيدي الصافي بإيقاع متنوّع، يقدّم مشاهد قصيرة متجاورة، بعضها ينجح، وبعضها يكتفي بالإشارة.

السينوغرافيا تتراجع لصالح الوسائط. خيار يندرج ضمن المسرح الحديث، لا كتهديد لبنيان المسرح، بل كتحويل للثقل من المكان إلى الجسد والصوت. الخطر الوحيد أن تتحوّل الوسائط إلى بديل سهل للحظة المسرحية، وهو ما يتفاداه العرض حين يترك للممثل مساحة لعب حقيقية.

أداء الممثلين يشكّل عمود التجربة. حضور القدير بسّام كوسا يمنح العرض ثقله وخبرته؛ وجوده ليس استعراض نجومية، بل تثبيت لإيقاع المشهد. علاء الزعبي يتقن كيفية التنقل بين الجدية والمرح، ندين تحسين بك تقدّم الدور بإحساس عال، ونانسي خوري تشتغل على التفاصيل الصغيرة بثبات.

يسحب يزن خليل الضوء نحوه بمهارة، أيمن عبد السلام يراهن على طاقة جسدية واضحة، فيما يقدّم شادي الصفدي أداءً داعمًا يحفظ توازن المشاهد. يستعيد الفرزدق ديوب ذكرياته مع العرض القديم فيعيد التصالح مع الخشبة. يبرز وسام رضا وكرم شنان كطاقة الجيل الجديد المنسجم مع من سبقه دون فوارق في الخبرة، أسيل عمران، بوصفها وجهًا سعوديًا، تؤدي دورًا رمزيًا يتجاوز التمثيل: جسر محلي يقرّب العرض من جمهوره، ويمنحه شرعية مكانية دون افتعال.

 

 

لو قُدّم «تيامو» اليوم في الرياض، لكان عُدّ تجربة جميلة لكنها بعيدة إنسانيًا عن المتلقي العام. اختيار «فيفالا فيتا» يشي بوعي سياقي: الرياض ليست مجرد مستضيف للمسرح، بل مختبر ثقافي يتشكّل. العرض يقرأ المكان، ويعدّل لغته دون أن يتنازل كليًا عن طموحه الفني.

في المحصلة، «فيفالا فيتا» ليس تكرارًا ولا قطيعة. هو نضج تدريجي، ومصالحة محسوبة مع جمهور جديد، وتجربة تُسجَّل بوصفها خطوة إلى الأمام في مسار اقتباس شكسبير عربيًا، بخفة أكبر، وحدّة أقل، ووعي أعلى بشروط اللحظة.