لم تكن «ولادة مبكرة» عرضًا مسرحيًا بقدر ما كانت اختبارًا زمنيًا طويل النفس؛ اختبارًا لعلاقة المسرح بذاكرته، ولعلاقة الممثل بجمهوره، ولعلاقة الجمهور بنفسه وهو يرى صورته تتبدّل على الخشبة عبر ثلاثة عقود. منذ تسعينات القرن الماضي، حيث وُلدت المسرحية الأولى، إلى إعادة استدعائها في 2021، وصولًا إلى عرضها في الرياض 2025، لم يكن الذي يتغيّر هو النص بإعادة رواية لما يناسب مسرح موسم الرياض، بل المناخ، والذائقة، والوعي، وحتى معنى أن يكون المسرح مسرحًا.

البدايات: براءة العرض وبراءة الجمهور
في التسعينات، لم يكن المسرح السوري بحاجة إلى أن يشرح نفسه. كان الجمهور شريكًا عضويًا في اللعبة المسرحية، يفهم الإشارة قبل اكتمالها، ويضحك قبل أن تكتمل النكتة، ويصمت حيث يجب الصمت. أيمن زيدان في تلك المرحلة لم يكن “نجمًا” بالمعنى الاستهلاكي، بل حامل مشروع ثقافي واضح: مسرح إنساني، اجتماعي، ساخر بذكاء، لا يستجدي الضحك ولا يخاف من الصمت.. وإن قوبل مسرحه بالهجوم كونه يدخل المحكية على المسرح الجاد بوجه رواده الذين لطالما حاولوا الاستبسال بالحفاظ على الأبعاد النضالية للمسرح القومي.
«ولادة مبكرة» حينها كانت تحمل توتر المرحلة: نهاية يقينيات كبرى، وبداية تشققات اجتماعية وسياسية. النص لم يكن مباشرًا، والسينوغرافيا لم تكن فاقعة، لكن الجمهور كان مستعدًا للالتقاط. كانت البراءة هنا مزدوجة: براءة الأداء، وبراءة التلقي.

الاستمرارية: حين يتحول العرض إلى ذاكرة
إعادة العرض في 2021 على خشبة الحمراء بالقرب من مجلس الشعب ووسط ظروف سياسية حالكة في دمشق لم تكن مجرد حنين، بل محاولة إنقاذ. المسرح السوري، الخارج من حرب طويلة، كان يبحث عن نفسه، عن صوته، عن ذاكرته. أيمن زيدان عاد لا ليقول “ما زلت هنا”، بل ليقول “هذا ما كنّا عليه”. لكن المفارقة أن الجمهور لم يعد الجمهور نفسه. الوعي تغيّر، الحساسية تغيّرت، والذاكرة الجماعية أصبحت مثقلة بالخراب.
هنا جاء العرض أخفت قليلاً مما ظهر فيه عام 2008 وبوجوه شابة حيث اختار زيدان الاكتفاء بكرسي الإخراج دون التمثيل في العرض وتقديمه بحلة معاصرة مع شريكه في عدة أعمال درامية محمود الجعفوري، وليس ذاك لضعف النص الأصلي، بل بسبب تغيّر شروط التلقي. المسرح، الذي كان مساحة للتأمل الجمعي، صار يُطالب بأن يكون “خفيفًا”، “سريعًا”، “قابلًا للتصوير والمشاركة”. وهنا بدأ الصدام الصامت بين مشروع ثقافي قديم، وواقع فني جديد.

الرياض 2025: الجمهور بوصفه البطل
في عرض الرياض، لم تعد «ولادة مبكرة» مسرحية عن شخصيات، بل عن جمهور. الشخوص على الخشبة لم تكن سوى مرايا؛ والجمهور هو النص الحقيقي. جمهور متنوع، غير متجانس، قادم من سياقات مختلفة، يحمل ذائقة تشكّلت عبر السوشيال ميديا، والإفيهات السريعة، والضحك الجاهز.
هنا تصبح السينوغرافيا سياسية بامتياز: روما القديمة، المتعمشقة نحو الواقع السوري، لا بوصفها استعارة تاريخية فقط، بل كصرخة: الإمبراطوريات تسقط بالطريقة نفسها، لكن الجمهور لم يعد يريد أن يرى السقوط، بل يريد “مشهدًا ممتعًا”.
الوعي الجديد، وعي الجيل الذي لم يعش بدايات أيمن زيدان، يحاول ربط ماضيه بمشروعه الثقافي، لكنه يفعل ذلك بارتباك. هناك محاولة لمسايرة هذا الوعي عبر إيفيهات لا تخلو في مكانٍ ما من الاستهلاك، نكات وكانها خارج سياق الحكاية، لحظات ضحك لا تشبه المسرح السوري الذي كان يحمل همًّا، ويقترح موقفًا، ويصنع أسئلة.

العرض الترفيهي : حين يدخل مضمار التجربة
ما يحدث في «ولادة مبكرة» 2025 ليس تراجعاً فنيًا، بل تأطيراً ناعمًا. العرض مجهز ليقارب ذائقة السوق، بمناخ الموسم، بتوقعات جمهور يريد المتعة أكثر من المعنى. وهنا تتحول الخبرة المسرحية، بكل تاريخها وثقلها، إلى مكان تجريبي يحتمل التصفيق في مكان واللوم في مكان آخر.
ليست المسؤولية على أيمن زيدان وحده، ولا ذنب الجمهور وحده. إنها فجوة زمنية وثقافية. المسرح السوري، بتاريخ سعد الله ونوس، وفواز الساجر، ونضال الأشقر في امتداداتها العربية، كان يستحق أن يجتاح موسم الرياض بفجاجة فنية غير مسبوقة أو هكذا يأمل من قدم من ذلك الجيل؛ أن يصدم، أن يربك، أن يرفض المسايرة. لكنه بدلًا من ذلك، حاول التكيّف.

تراجع لذة المسرح
المفارقة الغريبة أن محاولة كسر لذة المسرح جاءت من الداخل. بدل أن يكسر العرض ذائقة الجمهور، حاول إرضاءها. وبهذا، تكسّرت اللذة نفسها. المسرح، حين يتنازل عن قسوته الجميلة، يفقد قدرته على الخدش، على البقاء.
«ولادة مبكرة» في صيغتها الأخيرة ليست نهاية مشروع، لكنها علامة استفهام كبرى: هل ما زال المسرح قادرًا على حمل مشروع ثقافي في زمن السرعة؟ وهل الجمهور مستعد لأن يكون أكثر من متلقٍ عابر؟

في المحصلة، «ولادة مبكرة» ليست مسرحية عن الولادة، بل عن المراوحة المُتعبة للذائقة، وعن محاولة فنان أن يحمل ماضيه إلى حاضر جديد يستذكر من خلال عرض مسرحي تواجده في ذاكرة الجمهور. الجمهور هنا هو البطل الحقيقي، والشخوص مجرد أدوات كشف. وبين براءة التسعينات، وقلق ما بعد الحرب، وضجيج موسم الرياض، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نريد مسرحًا يُضحكنا، أم مسرحًا يُزعجنا؟
وأيمن زيدان، بكل ما يحمله من تاريخ، يقف في المنتصف، شاهدًا لا متهمًا، على زمن تغيّر أكثر مما يحتمل المسرح ؟