عرس مطنطن.. شوارب وأمانة.. وفرحة بالعودة للخشبة

بقلم: أنس فرج

في عودة للمسرح السوري بعد غياب، اختار المخرج عروة العربي تقديم عرضاً مسرحياً بطابع شامي يلائم في محتواه وحكايته ما يتقاطع مع ذاكرة المشاهدين من المسلسلات الشامية الأثيرة على شاشة التلفزيون، فليس بغريب أن يجري إهداء العرض لصانع جماهيرية هذا النوع من المسلسلات الراحل بسام الملا ولفنان الشعب الراحل رفيق سبيعي الذي حضر عبر تقنية الذكاء الاصطناعي في الحكاية بعملٍ شاق استغرق لأسابيع لكي تظهر صورته على الشاشة لثوانٍ معدودة وهو يقدم الوصية لابنه “أبو الصخر” الذي يجسد دوره نجم العرض الفنان قصي خولي.

 

 

لا يمكن اعتبار “عرس مطنطن” عرضاً مسرحياً جاداً فهذا يظلم المنتج النهائي للعرض، إلا أنها تظهر كمسرحية تمزج بين الموسيقى والرقص والأداء وتنحى باتجاه عرض بصري حركي مع وجبة درامية خفيفة تقوم على الأداء والمواقف الكوميدية أكثر مما تنسج حوارات تستدعي تركيز المشاهد، وهذا ما يعاب على نوع الدراما الشامية من قبل كثير من النقاد لمحدودية الطرح الذي تقدمه وارتكازها على علاقات اجتماعية كلاسيكية وقصص تناسب فترة زمينة معينة لكنها لا تتلاءم مع تعقيدات الواقع الحالي وظروف الحياة هذه الأيام، ما يجعل التركيز على القيم والحكم أكثر من المفارقات الدرامية الواضحة.

وهذا ما قد يشكل تحدياً لدى الفنانين للبحث عن أدوات تسعفهم في إتقان الشخصية والإمساك بزمامها على الخشبة لمدة تتجاوز الساعتين بخلاف ما يحدث في الدراما التلفزيونية التي تغلب فيها اللقطات البصرية والمشاهد المتناوبة من حاجة الممثل لبذل أداء مضاعف كما على الخشبة، وقد يزيد التحدي أكثر عند من يسعى لتقديم كاركتر في هذا النوع، فنجد في المسرحية فنانين قديرين مثل وفاء موصللي وجمال العلي ومحمد خير الجراح يسعون بجهد لإلباس الشخصيات التي يقدمونها حلياً لفظية وحركات جسدية تزيد من تأثير الشخصية وتخرجها لإطار مسرحي بعيد عن الأداء الخارجي الملقّن.

 

 

وهنا لا يختلف اثنان عليه أنّ الفرصة التي قدمت لهذا العرض قد تكون من الأكبر للمسرح السوري منذ زمن طويل، على صعيد التكلفة الإنتاجية لتقديم عرض قائم على شاشات تفاعلية وإسقاط بصري متعدد الأشكال، وأغانٍ خاصة بالعرض فضلاً عن جودة الملابس واستقطاب النجوم للمشاركة بعرض مسرحي بعد سنوات من الانقطاع لعدة عوامل أبرزها ضعف المردود المسرحي في سوريا وعدم ترميم الخشبات المسرحية وانشغال الممثلين للعمل في مسلسلات خارج البلاد ماشكّل حالة تصحر لم يقاومها سوى من اعتكفوا دفاعاً عن الخشبة واستماتوا لتقديم عروض في أصعب الظروف الاقتصادية والأمنية التي واجهتها سوريا.

في حين حظيت “عرس مطنطن” بتفاصيل جمالية كعرض أول على مسرح حديث مجهز تقنياً كمسرح محمد العلي في بوليفارد الرياض وإبهار بصري قاده بالشكل الإبداعي المخرج حسام الحمد بالتوازي مع دور السينوغراف بإدارة المخرج أدهم سفر والرقص الحركي الذي صممته رهف الجابر فخلق حالة من التوازن البصري الحركي ليزيد من قوة المنتج النهائي ويبعد نظر الجمهور قليلاً عن كلاسيكية الحكاية وما ستقدمه من جديد.

 

 

وهذا لا يعني الضعف بنسج المشاهد التي كتبها السيناريست سيف رضا حامد، لكن الذاكرة الجمعية للمسرحيين السوريين لدى الكثيرين منهم لم تتقبل بعد فكرة هدم الجدية في تقديم العرض المسرحي والابتعاد عن الإسقاطات الواضحة لأفكار اجتماعية وسياسية وصراعات طبقية، ما أظهر في هذا الطرح الجديد نوعاً جديداً من الفُرجة تعوّد عليه الجمهور عبر شاشة التلفزيون منذ قرابة الربع قرن مع تسيد الأعمال الشامية حصة التسويق التلفزيوني لا سيما بعد نجاح باب الحارة ولكن لم يصل قبل إلى المسرح بهذا الشكل المباشر والمدعوم.

هل يعني أنّ مسرحية “عرس مطنطن” تخلو من القيمة؟! ليس ذلك ما سيخرج به المتفرج من العرض بعد متابعته لساعتين ونصف من الأغنيات والرقص والأداء اللافت لمعظم الشخصيات، بل سيسأل نفسه: هل هذه هي النتيجة الأكثر احتمالية التي قد تخرج من هذا الجهد البشري والتقني؟.

هنا ستنقسم الآراء بين مهاجم لفكرة إعادة إنتاج قصص المسلسلات الشامية مرة جديدة وكأنها المحتوى الوحيد الذي يمكن عكسه والحديث عن دمشق فيه فضلاً عن الانقسام الحاد لدى المؤرخين والنقاد حول مدى قرب هذه الحكايا من دمشق الحقيقية وحاراتها وتاريخها بما فيه من تعقيدات وتقلبات، وبين رأي ثاني سيأتي مدافعاً و مشجعاً لفكرة التمدد السوري لوصول مسرح موسم الرياض واعتلائه بطريقة جمالية غير متكلفة ولكن منصفة لجهود العاملين بالعرض، وإعادة تصدير الفن السوري من بوابة الموسم الأشهر عربياً بقصص محببة لدى الجمهور لم تُنسَ من الذاكرة رغم تعاقب السنين، فهنا نشاهد رهن الشوارب بتقاطع مع قصة مسلسل “أيام شامية” ومشهد الطلاق الشهير من مسلسل “باب الحارة” والكثير من التقاطعات بين ممثلين لعبوا على الخشبة أدواراً لا تبتعد كثيراً عما قدموه في البيئة الشامية.

 

 

ربما يحتاج عرض “عرس مطنطن” أن يقدم نفسه على الخشبة السورية ليحاكمه الجمهور المحلي بما سيتابع بعينيه من أداء أساتذة في المسرح ونجوم على الشاشة بقصة شامية بسيطة، لكن الجميع سيتفق أن الزمن لا يتوقف وأنّ فرصة الحضور السوري عربياً هي شغف جمعَ أكثر من 65 فنان وفني بجهد جماعي لتقديم عمل فني متكامل وليس كجهود فردية موزعة هنا وهناك كما حدث خلال خمسة عشر عاماً فاتوا.

هنا يأتي الشكر لكل بسمة ودمعة من أعين المتفرجين خرجت بصدق وأكدت أن الممثل السوري يحمل في جوهر أدائه ميزة الإقناع ليشد النظر والسمع أكثر من 150 دقيقة بحواسٍ خمس أشبعتها الصورة المتفوقة واللحن المدروس والصوت البشري الأخاذ في الغناء.