دراما فيروزية 3- رسائل الحب والحرب

بقلم: عبد السلام المطر

حين أطلت ريم حنّا في الموسم الرمضاني لعام 2007 بمسلسل «رسائل الحبّ والحرب» بدا وكأن الدراما السورية تُغامر بفتح نافذةٍ واسعةٍ على الماورائيّ، على الفكرة المعلّقة بين القدر والمصادفة، بين الحرب والحبّ، بين الحياة كما تُعاش، والحياة كما تُتخيَّل.

وكان لافتًا أنّ هذا العمل، الذي حمله أداء سلاف فواخرجي وقصي خولي وسلّوم حدّاد بإدارة باسل الخطيب، قد اقترن في روحه بما كانت قد قدّمته فيروز قبل سبعة عشر عاما  في ألبوم «كيفك إنت»، ولا سيما في أغنيتها الغامضة العميقة «في شي عم بيصير».

 

 

كانت ريم حنّا تُشيّد في المسلسل عالَمًا يضطرب فيه الحدُّ الفاصل بين ما يُقال وما لا يُقال، بين ما يُرى وما يُستشعَر. وحين تدور الكاميرا حول وجه البطلة نيسان، تلك الفتاة البسيطة الخارجة من قلب الحيّ الدمشقي، نراها تفكّر بشيء وتُجيب بشيء آخر، تصمت كأنها تردّد في داخلها ما تقوله فيروز: «لما بخاف بيزيد سكوتي».

ثم تبرز الحكاية: حبّ «نيسان» لجلال، الأديب الشاب، في زمن الحرب الأهليّة في لبنان منتصف السبعينات. قصةٌ منذ بدايتها تعرف أنها لن تكتمل، وأنّ الحرب والقلق والصدف السوداء يتربّصون بها.

وهو التزامن ذاته الذي جعل العبارة الشعبية في لبنان آنذاك تتردّد في الأزقة والبيوت: «في شي عم بيصير، في شي بدّو يصير».

وما بين الأغنية والمسلسل تتكرّر النداءات الخفيّة نفسها: قلقٌ في الصوت، وقلقٌ في المشاهد، وقلقٌ في قلب نيسان التي تحاول أن تمسك بالحبّ فيما الواقع ينتزع منها القدرة على الثبات.

 

 

فعندما بدأ جلال يخشى أن ناظم — ذاك الرجل المتسلّط الذي قدّمه سلّوم حدّاد — سيخطف نيسان منه، سارع أن يطلب يدها. لكنّ الأغنية تكشف ما لم يستطع جلال أن يقوله، وما لم تستطع نيسان أن تقنع نفسها به:

«بتسأل عليّي كتير وبتحبّني…

بعرف هالحكي… حافظة هالحكي…

ومع إنّو حلو… ليش بيضلّو إحساسي يقلّي لأ؟»

فهي تتزوجه، لكنها تشعر منذ اللحظة الأولى أنّ هناك خيطًا مقطوعًا لا يلتئم، وأنّ شيئًا ما — ذلك «الشي» المجهول — يُوشك أن يقع.

ثم تتفجّر التراجيديا: ناظم يبتزّ نيسان بشقيقها «فارس» (رامي حنّا) ويجبرها على الخضوع. يُسجَن جلال، ويهرب من سوريا، ويكتب باسم مستعار. وتقرأ نيسان روايته «تلك الجديلة»، فتعرفه من بين الأسطر، وتنهض فيها عين الروح التي لا تخطئ ملامح من أحبّت، فتهمس الأغنية مجددًا:

«بتمرق عليّي كتير وبتخصّني…

كلّ القلتو حلو… ومع إنّو حلو

ليش بيضلّو إحساسي يقلّي لأ؟

في شي بدّو يصير… في شي عم بيصير…»

 

 

وتتوالى الكوارث: سورية الثمانينات بقبضتها الأمنية الباردة، اجتياحٌ ينهش المدن والأرواح، وناظم الذي لا يكتفي بأن يسجن جلال ويزوّر مصائر الناس، بل يذهب إلى ما هو أقسى: يأخذ من نيسان جدايلها كي لا يتعرّف إليها أحد بعده.

لتقف المسكينة أمام جدّتها وتقول في مشهد لا يُنسى: «راحوا الجدايل يا تيتة!» فتجيبها الجدة: «هدول الجدايل من الأول ما كان لازم يكونوا».

وهكذا تُقفل الحكاية بين الحقيقة والخيال، بين صوت فيروز وصوت نيسان، بين حربٍ لم تنتهِ وأغنيةٍ وُلدت من تحت الركام. وينتهي المسلسل في عام 2000، كما انتهت الحرب الأهلية في لبنان، وكأن العملين — المسلسل والأغنية — قد ظلا يترصّدان بعضهما إلى أن التقيا.

ويبقى ما قالته فيروز، وما كتبه زياد، وما صاغته ريم حنّا، حاضرًا في ذاكرتنا حتى هذا اليوم: الخوف نفسه، الارتباك نفسه، ذلك الشعور بأنّ الزمن يتحرّك في العتمة دون أن يبوح بما ينوي أن يفعل. ولذلك ما زلنا نردّد الجملة ذاتها منذ نصف قرن:

«في شي بدو بيصير… في شي عم يصير».

 

 

إنه لقاء آخر — غير مخطّط له — بين فنّين، زمنين، وجغرافيّتين، التقت فيها سوريا ولبنان على مساحة واحدة من القلق والحبّ والحرب. وقد خرج منه ما لا يمكن أن يُسمّى إلا: دراما فيروزيّة خالصة… تُؤكّد أنّ نسيج بلاد الشام عصيّ على التفكيك.