لم يكن ما قدّمته الدراما السوريّة في عام 2009 مجرّد حكايةٍ تُروى على الشاشة، بل كان انبعاثًا صوتيًّا لصورةٍ دفينةٍ في الذاكرة العربيّة، إذ جاءت الكاتبة أمل حنّا بمسلسل قلبي معكم لتفتح نافذةً على دمشق السبعينات، حيث الزواجُ لا يقوم على الحبّ بقدر ما يقوم على الواجب، وحيث الأنثى تُختبر لا بمشاعرها بل بقدرتها على الصبر والإنجاب.
كأنّ أمل حنّا، من غير أن تدري، أعادت تمثيل فيروز في هيئةٍ دراميّةٍ صامتةٍ، حين جعلت من صوتها في مقدّمة المسلسل “البوسطة” مفتاحًا لاستهلالٍ بصريٍّ لا يُشبه سواه. هناك، يتقدّم عبّاس النوري في دور الطبيب بشر، ذي القلب المتفاني والعقل المتجبّر، وإلى جانبه ندين تحسين بيك في دور حنان، الفتاة الخارجة من براءة المراهقة إلى دهشة النضج.

كانا، معًا، مرآتين لزمنٍ واحدٍ متصدّع.
هو يرى الزواج مسؤوليةً لا شعورًا، وهي ترى الحبّ خلاصًا لا تكليفًا. وبينهما، كانت فيروز تُتمتم من بعيد:
”صباح ومسا، شي ما بينتسى، تركت الحب وأخدت الأسى.”
حين تقدّم بشر لخطبة حنان، فعلها كطبيبٍ يُشخّص لا كعاشقٍ يختار. رأى فيها فتاةً صغيرةً جميلةً، تصلح لأن تُنجب، ولم يرَ قلبها المرهف. أحبّته بعنفٍ أنثويٍّ لا يُحتمل، حتى صارت ظلّه، لا ذاته. أمّا هو، فانشغل بامرأةٍ أخرى، أمل (ريم علي)، امرأةٍ مجرّبةٍ تعرف كيف تُناور العاطفة بذكاءٍ واقعيّ. عندها، بدأت حنان تنزلق إلى يقينها الموجع، تُقنع نفسها أنّها توهّمت. وكانت فيروز تهمس لها من الغياب:
”حبيبي منيح، لشو التجريح، تعب مني…
أنا اللي كنت ما بفهم بنت حمل عني ! “

تمرّ السنين. لا تهجره حنان. لا لرضاها، بل لعجزها عن الكراهية. تخلق من خصمها صديقةً، ومن غريمتها ملاذًا. تُقرّب أمل إليها كي لا تُبقي للخيانة بابًا مجهولًا. وإن خانتها أمل، تُعاتب نفسها قائلةً:
”هو كتير منيح، بس أنا صايرة ما عم انحمل.”
يتكرّر المشهد ذاته في الجيل التالي. أبناء بشر يحملون عن أبيهم الجفاء ذاته. وحين يسأل أحدهم: لِمَ تحبّينه وهو لا يحبّك؟ تُجيب بما يُشبه الصلاة القديمة:
”حبيبي كان هني وسهيان ما في غيره
حملني سنين مانن هينين، كتر خيره.”
تظلّ حنان إلى النهاية وفيّةً لخيبتها. لا تكرهه، ولا تُسامحه. فقط تُبرّر وجوده في حياتها كي لا ينهار توازنها الداخليّ. هناك، في المشهد الأخير، تُلقي اعترافها بوجه ذاتها:
”لعلّ وعسى إترك هالأسى
ويرجع لي حبي صباح ومسا
بس إنت، إنت وبس.”

إنّ هذا التوازي بين فيروز وحنان، بين الأغنية والحياة، لا يُمكن أن يُسمّى مصادفةً. إنّه التقاء الفنون في لحظةِ صدقٍ نادرة، حيث الكلمة تُصبح جسدًا، والموسيقى تصير قدرًا. وإن حاول بعضهم – كما في أهل الغرام – أن يُقحم الأغنية في الدراما قسرًا، فإنّ الصدق الفنيّ لا يُقهر.
فالدراما الحقّة، كالأغنية الصادقة، لا تُكتب لتُدهش، بل لتُوجِع.
وما بين صوت فيروز وقلم أمل حنّا، التقيا القدرُ والفنّ في منتصف الطريق، ليُقدّما للروح ما يشبه الاعتراف الطويل:
أنّ الحبَّ، مهما تأخّر، لا يُترك ، وأنّ الأسى – ما دام فيروز تغنّيه – سيُنسى
فكيف، يا ترى، لو كان هذا اللقاء العفويّ بين فيروز وزياد رحباني وأمل حنّا؟ أولئك الذين قدّموا الناسَ كما هم، بعفويّتهم، ببساطتهم، وبحقيقتهم التي لا تُزخرف ولا تُزيّف.