على نحو من الأنحاء سيتحّول المسلسل السوري القصير (إعادة تشغيل) من تأليف و إخراج (إبراهيم ملحم) و إنتاج شركة (المصنع)، في حال توّفرت له فرصة تسويقية مناسبة، إلى علامة مُميّزة في سياق الإنتاجات الجديدة، حيث يُشكّل المسلسل نقطة انطلاق مُغايرة على مستويات عدّة أبرزها النوع و الشكل و المضمون، دون أن تتوقّف حدود الاختلاف والتميّز عند هذه المستويات وحسب.
ينتمي المسلسل من حيث النوع إلى فئة المسلسلات القصيرة حيث يتألف من ثلاث حلقات تتراوح مدّة الواحدة منها بين خمس إلى ثماني دقائق كحدّ أقصى، مُتجاوزاً بذلك مفهوم المسلسل القصير السائد في صناعة الدراما المحلّية الذي يسعى لاستلهام النمط المُهيمن في المنصات العربية وإعادة تدويره، رغم ظهور مُحاولة يتيمة جَرَت قبل سنوات لاقتحام مضمار المسلسلات القصيرة جداً عبر مسلسل (الشكّ) الذي أُنتِجَ في أعقاب ضجّة حقّقها المسلسل اللبناني السوري (بدون قيد) الذي برز آنذاك بوصفه تدشيناً لظاهرة المسلسلات الرقمية، وهي ظاهرة لم تُعمّر طويلاً رغم ما حقّقته من نجاح نقدي وتوفّر مُعطيات كثيرة وظروف مثالية لتطويرها وازدهارها، لولا أن مُسلسل (إعادة تشغيل) الجديد يتجاوز باقتدار هنَّات التجربة الأولى التي اكتفت بضغط الدراما التقليدية زمنياً وسط غياب آلية جديدة في التعامل مع هذه النوعية من المُسلسلات بوصفها مُستقلة بحدّ ذاتها ومُوجّهة نحو وسيط جديد تُمثّله تطبيقات المُشاهدة الرقمية.
يضعنا المُسلسل منذ اللحظة الأولى في خضم أزمة بطله عبّود (بلال مارتيني) المُتمثّلة بمُتلازمة المشي أثناء النوم، و الذي يبدو مُضطرباً إزاء لحظة تاريخية هي لحظة سقوط النظام، عاجزاً في الوقت نفسه عن التفاعل مع صديقيه العائدين من غربة طويلة، مُعانياً من انعكاسات أزمته النفسية على علاقته بزوجته الطيّبة (راما زين العابدين)، مُحاولاً إيجاد حلول جذرية لأزمته المُزمنة عبر طبيبته النفسية (هيما إسماعيل)، و هي أزمة سبّبها حدث يُكشَف عنه النقاب في الحلقة الأخيرة، و يأتي بسيطاً بشكله، عميقاً برمزيته ومضمونه: حدث ينال من إنسانية المرء و آدميته حتى يكاد أن يحوله إلى مسخ.
يتخذ المسلسل من جنرة الدراما النفسية ستاراً يُعبّر من ورائه عن قضية شديدة الارتباط بالزمان و المكان، ضارباً عرض الحائط الشروط التسويقية التي تسعى لتغريب الدراما عن الواقع و تزييفه، ما يجعله مُغامرة إنتاجية غير مأمونة النتائج، ولكنه يكسب في المُقابل رهان التعبير عن قضية مُلحّة، مُستفيداً من لحظة فارقة يُمثّلها سقوط النظام ليُحيلها إلى ذروة درامية كاشفة للمكنونات ومُنطلق لرحلة البطل في سبيل استرداد كرامته المهدورة جرّاء حدث يتجاوز برمزيته حدود الفعل الآني ليصير مُعادلاً تامَّاً لسلوكيات القهر والتسلّط والاستبداد.
يختلف المسلسل من حيث الشكل عن الأسلوب السائد في الدراما المحلّية، ويتبدّى هذا التميّز في اختيار الزوايا عند التقطيع في بعض المشاهد الحوارية، مع اعتناء كبير بالتفاصيل، خاصّة في المشاهد الخارجية في ساحة المرجة أثناء مرور البطل بجوار تجمّع يحتفي بسقوط النظام ولقاء البطل مع صديقيه في مقهى شعبي، مع اتكاء كبير على الموسيقى باعتبارها جاءت كرافعة رئيسية في العمل مُنسجمةً مع النسيج العام دون أن يشعر المرء بانفصالها أو تشويشها، لكن كان هناك نوع من المبالغة في الاعتناء بالديكور الداخلي داخل منزل البطل لدواعٍ جمالية صرفة أتت على حساب المصداقية على اعتبار أننا في منزل سائق سيَّارة أجرة فقير، ولو أن هذه المُبالغة لم تطأ موطئاً بعيداً في الانفصال عن الواقع.
ينتصر المسلسل للبساطة بوصفها كلمة السرّ، مُتجنباً الألاعيب البهلوانية في السرد والأسلوب البصري، رغم أن هذا النوع من المسلسلات يحتمل شيئاً من هذا، حتى أنه الميدان الأنسب لتجريبها و استعراضها، و لعلّ أبرز ما يُحسَب للمُسلسل هو إعادة اكتشاف أبطاله، و تحديداً (بلال مارتيني) الذي يُقدم أداءً بالغ الحساسية إلى حدّ المُفاجأة يبلغ ذروته في المشهد الأخير من الحلقة الثانية مع انهياره التَّام إزاء أزمته الخانقة، وهو ما ينسحب على الممثلين الآخرين رغم صِغَر مساحة أدوارهم.
يقطع (إبراهيم ملحم) في تجربته الإخراجية الثانية شوطاً واسعاً بعد فيلمه الروائي القصير الأول (رافقتكم السلامة) و الذي سبقت له المُشاركة في مهرجانات مالمو وروتردام والبحر الأحمر، ليقدّم تجربة محفوفة بالاعتناء و الحماسة والشغف، وليغرّد مُنفرداً في بيئة درامية بِكر، لتتحّول تجربته، إن أفلحت في التأسيس لموجة من الإنتاجات الشبيهة، إلى شرارة ساطعة ومُلهِمة لتجديد الدماء الشابّة في الدراما السورّية، رغم الترّهل والكهولة التي أصابت بعضها مُبكراً نتيجةً للتبدّلات المُتسارعة والعميقة على كافة المستويات عموماً و على مستوى الصناعة التلفزيونية حول العالم خصوصاً.