«كتالوج».. لماذا لم تقترب نتفلكس من دمشق للآن؟

بقلم أنس فرج

طرحت منصة نتفلكس قبل أسابيع أحدث أعمالها الأصلية باللغة العربية وحمل عنوان «كتالوج» ببطولة شبه كاملة للنجم المصري محمد فراج، في حين حظي المسلسل بمشاهدة عالية فاقت التوقعات منذ الأيام الأولى لعرضه وأثبتت مقولة أن الإنتاج ليس بالكم بل بالكيف، حتى وصلت الأمور إلى شكر القائمين على العمل عبر وضع لافتة كبيرة على متن مروحية وإطلاقها لتطير في السماء ويشاهدها الجميع، مقابل ذلك لم تتجرأ نتفلكس حتى اليوم للاقتراب من السوق السورية رغم كثافة جمهورها العربي بل اقتربت من الأراضي السورية عبر أحداث تجري في بعض الأعمال داخل سوريا كما في مسلسل روى سيرة العميل الإسرائيلي كوهين أو مسلسلات صورت فضائع داعش، أو عبر الإشارة لشخصيات سورية في الخارج كشخصية لاجئ سوري في بريطانيا كما جرى في مسلسل «قسم القضايا غير المحلولة» مؤخراً أو عرض شخصية في السويد تقرأ مسرحية للماغوط في مسلسل «حياة نزيهة»

الكتالوج السوري القديم

 بالتقاطع بين مسلسل «كتالوج» المصري والدراما السورية في عصرها الذهبي قبيل انطلاق الصراع ربيع 2011، نجد تقاطعاً واضحاً في طريقة بناء حكاية العمل لا سيما على صعيد أنسنة الشخصيات وقربها من واقع الحياة اليومية، وهو ملمح لطالما تفوقت فيه الدراما السورية في مسلسلات ناقشت العائلة بمفهومها الجمعي ككتلة واحدة ستنهار في حال خسرت أحد أضلاعها، فطرح «الفقد» كحامل درامي ليس ببعيد عن الدراما السورية سواءً على صعيد التضحية بأحد الأبطال باكراً أو ضياع الشخصية جراء عوامل نفسية واجتماعية والوصول بها لبقعة رمادية تبحث فيها عن ذاتها فلا تجدها بسهولة.

ورغم أنّ «كتالوج» قد يوصف من البعض على أنه مسلسل كامبوند وهي حالة صنعت أزمة واجهت بعض المسلسلات المصرية وجعلتها تختصر المجتمع المصري بالطبقة المرفهة التي تعيش داخل مجمعات سكنية مرتفعة الأقساط وأبناؤها يدرسون في مدارس أميركية وينطقون نصف كلامهم بالانجليزية, لكن ذلك تجاوزه «كتالوج» برفع سوية القصة الإنسانية وجعلها الحامل الرئيس للحكاية مع استعراض تفاصيل توحد الشارع المصري كعرض طقوس الاحتفال بقدوم رمضان بحرفية عالية دون إقحام.

وهذا ما يعيد للذاكرة حالة «الطقس» الذي قدمته الدراما السورية سواءً بأعمالها الشعبية بعرض المناسبات الاجتماعية والدينية كحالة توثيقية لتاريخ المجتمعات السورية ولاسيما الدمشقي والحلبي أو عبر عرض احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة ورمضان في العديد من الأعمال بانغماس واضح في عرض التفاصيل كما جرى في حلقات «الفصول الأربعة» على سبيل المثال.

البساطة حتى النخاع

تفصيل ثانٍ يمكن التقاطه من «كتالوج» لا شك أنه يجذب المشاهد الخبير في متابعة الدراما السورية، وهو سلاسة وبساطة تقديم الشخصيات وكأنّ الجميع يتحرك فوق بساط من الريش بتنقلات الحوارات وطريقة سير الحكاية، ورغم أنّ هناك أصوات تعتبر هذا النوع من الدراما غير موغل في الألم ويبتعد عن مواجهة الواقع بسوداويته، يأتي «كتالوج» ليصنع سلسلة من التفاصيل التي تتراكم كعبء على أكتاف الشخصيات وقربها من الانهيار، فالصفعة لن تأتي من المشهد الأول وتقلب المسلسل إلى غيمة من الأحزان تدفع الممثلين في كل مشهد للبكاء وتضغط حجم اللقطة فتزيد من حجم الشريط الأسود مع كوادر ضيقة وكاميرا مهتزة.

المسلسل تخطى كل ذلك باستعراضه لمرحلة الفقد من بوابة التفاصيل اليومية لأب متعثر في إدارة الشؤون اليومية لحياته عبر ضياع بوصلته بين المنزل والعمل، وهنا تبدأ لحظة اليقظة على هذا الفراغ الشاسع بمهارة وتحكم أدارها الممثل المجد فراج الذي أتقن ملامح الشخصية بمهارة لدرجة إدخال المُشاهد في عوالمها بعناية.

وهذا التكنيك أجاده ممثلون محترفون في الدراما السورية كالقدير بسام كوسا في «عصر الجنون» مثلا والنظر لحياة الشخصية من منظورها الخاص ومحاكمتها لأفعالهم. وهذا ما أضاف للدراما السورية نقطة قوة اخترقت فيها أحاسيس المشاهد العربي حتى باتوا يقول البعض: هؤلاء لا يمثلون أمام الكاميرا بل يعيشون، وهذا التبني هو سهم التأثير الخفي الذي ينطلق من شاشة العرض تجاه رأس المُشاهد مشكلاً له عالم موازي تجري فيه أحداث الحكاية، يعيش فيه مع الشخصيات في منازلها، يتحرك بفضاء حركة أجسادها وتنهار دموعه مع كل سقطة مقابل ضحكة من القلب عند كل موقف طريف يمر في الحياة اليومية العادية ولا يُسقط بالغصب على ورق الحكاية.

كل ما سيمر.. قد مر

ولعل مراقب يتساءل عن عدم حداثة الطرح في «كتالوج» وأنّ الدراما السورية قد عالجت هذه الموضوعات وغيرها بعمق ومنذ زمن، وذلك ما يشير إلى حداثة الدراما السورية واستقراءها مبكراً لطريقة طرح الحكايات ما جعلها تتفوق بسر صنعتها المشهد العربي لسنوات وتشكّل حالة قلق من أسباب انتشار هذه الدراما التي عزاها البعض لسهولة اللهجة ومرونتها العالية ما يدفعها للوصول لأكبر عدد من الجمهور، في حين رأى متابعون أنّ معالجة مشكلات الطبقة الوسطى والابتعاد عن الصور النمطية في طرح الشخصيات كان وراء النجاح، وهذا ما يتقاطع مع «كاتلوج» من ناحية تجسيد الشخصيات لنماذج قد تتواجد في أي مجتمع بالابتعاد عن الإسقاطات المباشر للشخصيات على صعيد الشكل والكلام والمستوى الثقافي، وبذلك اقتراب من الدراما الأكثر رواجاً عالمياً اليوم بالوقوف على مسافة واحدة من الشخصيات التي قد تظهر حادةً في مشهد ورقيقة في المشهد التالي.

وهذه حرفة ليست جديدة على الدراما السورية على صعيد قراءة الممثل للشخصية والاجتهاد لإيجاد مفاتيح تقربها من الجمهور وتدفعها للتعلق بها ولو تحولت في بعض الأحيان خلال السنوات الأخيرة إلى مكملات لفظية ومقحمة، إلا أنّ الممثل الأصيل هو الذي يبحث بجد في مزاج الشخصية ويطورها بحسب مسارها الزمني للحكاية.

صفرية السوق السوري

بعد ما سبق، قد يجد القارئ مئة سبب يدفع نتفلكس للبحث في الدراما السورية، لكن المختلف في هذه السوق عن مثيلتها المصرية هي غياب المنتجين المنفذين الشجعان في خوض مغامرة إنتاجية كتلك التي خاضتها تيما الشوملي وأوصلت المسلسل الأردني «بنات مدرسة الروابي» إلى منصة نتفلكس ونال جائزة جوي أوردز في عام 2025.

وهذا ما يراكم حضور رأس المال في الدراما السورية كمتحكم بشكل كامل في طبيعة المشروع ويبعد عنه حس الجرأة والمغامرة في الطرح ما يجعله ينتقل بسهولة للتصوير في لبنان أو تركيا أو أربيل إذا تعثرت ظروف الإنتاج داخل سوريا.

واليوم ما أحوجنا إلى فنانين منتجين يمسكون زمام المبادرة ويستفيدون من علاقاتهم الإقليمية لتبني مشاريع درامية تنقذ صناعة المسلسل السوري وتعيده إلى موقعه الصحيح ليكون «كتالوج» للسنوات القادمة كما فعل ذلك قبل 20 عام بأقل الإمكانيات ولكن مع أبسل الفنانين.