عام 2010 كانت دبي المدينة الإماراتية بمزيجها العربي الواسع مكاناً لولادة أولى تجارب الدراما المشتركة “مطلوب رجال” وعلى الرغم من أنّ التعاون العربي ليس بجديد في السينما والتلفزيون إلاّ أن ملامح صناعة نوع درامي مستقل يتخذ من لبنان مقراً لأعماله انطلق مع اندلاع الصراع في سوريا، فاتخذت الأعمال شكل “هجرة سورية” بدايةً لمواقع التصوير كما حدث في “ولادة من الخاصرة، سنعود بعد قليل، بنت الشهبندر..” قبل أن يتحول التعاون إلى سوري – لبناني ببطولة أخذت في حيزها الأكبر سيطرة النجوم السوريين الرجال مقابل نجمات لبنانيات وهذا ما انعكس على القصص الدرامية لتبدو في غالبيتها مفترضة لا تمت للواقع المعاش في سوريا أو لبنان بصلة، مع تفاوت في الأداء جعلَ الجمهور في البلدين يتشنج لصالح صناعة دراما وطنية تصدّر نجوم كل بلد في الموقع الصحيح والدور المناسب.
وفي ربيع 2025 كانت منصة يانغو بلاي تستعد لإطلاق أولى أعمالها الدرامية في بلاد الشام، ووقع الاختيار على نص للكاتبة نور شيشكلي التي اختبرت هذا النوع في مسلسلي “علاقات خاصة، ومذكرات عشيقة سابقة”.
العمل الجديد حمل اسم “خطيئة أخيرة” وأُدرج ضمن أعمال يانغو الأصلية في مغامرة إخراجية قادها المخرج السوري طارق زياد رزق من إنتاج شركة إيغل فيلمز وضمت مزيجاً من الممثلين السوريين واللبنانيين وهنا بدأت المفاجأة.
الدراما خارج حدود المكان
ارتسمت شخصيات الحكاية كمجموعة من الأصدقاء يجتمعون في كافيه تعود ملكيتها لصديقتهم “وجدان” وتديره “جمانة” وهنا تداخلت شخصيات الأصدقاء بمزيج من الجنسيات لم يلغِ أيّ منها الآخر ودون مبررات مباشرة لتواجدهم معاً في مدينة واحدة بل بتقاطع في خطوط الحكاية جعل الجميع أساسيون من ناحية الموقع في القصة وطريقة معالجة الخط، فلا يوجد شخصيات مساندة لا تحمل خطاً خاصاً بها فالكل متداخل في إطار حلقات من العلاقات الضارة التي يتزايد تعقيدها وصولاً للانفجار في الحلقات الأخيرة.
وهنا ظهر “خطيئة أخيرة” كمسلسل متوازن من ناحية أداء الممثلين في غالبيتهم وفي تبنيهم للأداء أمام الكاميرا دون استعراض للبيوت الفارهة أو الثياب المبالغ فيها بل عبر صورة أقرب للقطة السينمائية مع عرض لعدة طبقات اجتماعية واقتصادية من الشخصيات وهمومها التي تناسب هويتها وعملها.
نماذج مختلفة تنصهر في الحب
وبالطبع كعادة كل الأعمال المشتركة تتصدر ثيمة “الحب والخيانة” بشكل واضح ليزداد عمقها في “خطيئة أخيرة” بتداخل مربك للعلاقات بين الشخصيات بين الماضي والحاضر في صدامية واضحة دفعت جزءاً من الجمهور لاعتبار المسلسل مبالغ فيه من ناحية تصوير الخيانة الزوجية، لكن اتساع زاوية الطرح لتشمل أشكال متباينة للخيانة والتطرق لها من أبواب الرغبة الجنسية والفتور الزوجي كما اتسع الطرح لتعدد العلاقات الجنسية والرغبة في الإنجاب والبحث عن الذات، ما جعل القصص تخرج من كلاسيكية الطرح في الدراما المشتركة عبر نماذج لنساء في الثلاثينات يعشَن هاجس الوحدة والأمومة ويبحثن عن الرجل الغائب في حياتهن، ليتحدث النص بنفس أنثوي عن هواجس المرأة في هذه المرحلة من العمر ودوافعها المختلفة ما يدفعها لخلق مبررات لأفعالها التي قد تحمل صدمة أو انسلاخ عن المجتمع الأصلي، مع الدفاع عن كينونتها وحقيقة واقعها بأنها الكائن الأضعف في المجتمع فالرجل الخائن يغفر له أما المرأة لا.
الأكشن ليس في مكانه
رغم أنّ العمل يبدو في معظمه هادئاً قائم على الحوارات، إلا أنّه يحمل في أحد خطوطه الرئيسية قصة عائلة مافياوية تعيش على تهريب المخدرات، وهنا تراجع دور التشويق بتقديم مشاهد جاءت في بعضها غير مقنعة درامياً لعائلة بهذا النفوذ على حساب الدخول في تفاصيل الحياة داخل قصور هذه الشريحة من المجتمع، وبأجواء لا تبتعد عن الأعمال الأجنبية تظهر شخصية شقيق الزعيم “صافي” كسجين في قبو القصر لعشرين عام، والمساعدة المتورطة في خفايا القصر والغرفة الغامضة التي تدور فيها الأسرار.
وذلك ما خلق حالة تشتت بين موقعي الأحداث الرئيسيين وعدم كفاءة المونتاج في صناعة مشاهد متماسكة ليعوض حضور كل من القديرين عمار شلق وطارق تميم هذا الخلل ويبدوان في قمة ألقمها بنسج الحوارات وطريقة التفاعل وهذا ما أسس في العمل لظاهرة قلّ ما تقدم في الدراما العربية مؤخراً.
كيف تصنع الوحش؟
اللافت في نص شيشكلي الجديد هو التأني في طرح أسرار الشخصيات ومراوغة المشاهد في التأثر بخط معين قبل تراجعه لصالح بروز خط آخر، وهذا ما جعل قصر “صافي” خلفية الحدث في النصف الأول من الحكاية أمام علاقات الأصدقاء وتفاصيل الحياة اليومية التي جعلت المسلسل يقترب بشكل جدي من صيغة “السوب أوبرا” ومفهوم مسلسل المنصات الملائم في بنيته وطريقة مونتاجه للشكل المعاصر من المسلسل الدرامي.
مقابل ذلك كان القصر تتصاعد فيه الأحداث ببطء وكأنّ الوحش يُصنع داخل عدة شخصيات ستصل للحظة تفترس فيها بعضها عندما تجتمع تحت ذات السقف وهذا ما حدث فعلاً في الحلقات الأخيرة التي لو صيغت في عمل قليل الحلقات أو كتبت بشكل بوليسي نفسي أكثر لتمكنت من استخراج أداء أبرز من الممثلين وصناعة مفارقة مختلفة في الحكاية، لكنها جاءت ضمن نسق إيجاد الحلول لإقفال الخطوط الدرامية بعقاب البعض واستمرار الشر مهما حول الخير أن ينتصر، ولكن يشكر كل من نور وطارق وفريق العمل بمن فيهم المتبني له منذ البداية جو الخوند بمحاولة صناعة الشك في عدة شخصيات تحمل دافع الانتقام وترك المساحة أمام الجمهور للحكم عليها، فمن هو المخطئ الحقيقي طالما الجميع وصل به المطاف لارتكاب الخطيئة.
وقد يسأل المشاهد عن عدم وجود شخصيات بيضاء في الحكاية، وهذا منطقي مع تحميل كافة الشخصيات مشاكل نفسية واجتماعية تجعلهم في لحظة ما يقعون في الخطأ ويبحثون عن مبررات له، لكن يعوض ذلك وجود الموسيقى المدروسة بعناية والتي ساهمت في صناعة مشاهد أقرب للطرافة خلال المفارقات اليومية ولا يمكن إغفال حضور القديرة كارول عبود بما تحمله من إضافة لكل عمل تقدمه بشخصية “فتون” والتطرق لآثار التيك توك وإدمان منصات التواصل والبحث عن الشهرة من خلالها كما يحسب للعمل التطرق لمشكلات المراهقين جراء الخلافات الأسرية وانعكاسها على سلوكهم وعلاقاتهم كأصدقاء.
!الضوء لصالح من
ولعل كثافة القصص الفرعية زاد من مسؤولية الإخراج في تحقيق التوازن وعدم دفع المتفرج للنأي عن المشاهدة، فحمل المسلسل في بعض أماكنه أكثر من اللزوم رغم أن 45 حلقة درامية تتسع لكثير من الوقت وتبعد القصة عن الوقوع في التكرار والمراوحة في المكان بشرط منطقية طرحها ومكانها الصحيح والمناسب في الحكاية، ليتقاسم الجميع البطولة وهذا ما حققه فعلاً البوستر الرسمي بعرض كافة الشخصيات الرئيسية في صورة واحدة وبأحجام متساوية،
لكن بالمقابل ضاع التوسع في تحقيق تركيز على قصة بعينها وكأنّ للمشاهد فرصة اختيار القصة الأقرب إليه ومتابعة المسلسل من أجلها، وهذا معيار مخالف لما كرسته الدراما المشتركة منذ بدايتها ببناء الحكاية حول بطلين أساسيين وعدة قصص فرعية ليست بذات الأهمية تحيط بهما ما ساهم في تصدير مجموعة من الممثلين لمكان يستحقونه.
نعم، هناك جيل جديد من النجمات
يستطيع المشاهد بعد انتهاء عرض المسلسل أن يحفظ بسهولة عدد من شخصيات الحكاية لمدى التبني الواضح في الأداء من جهة وطريقة رسم الشخصيات وتصديرها بصرياً، بعيداً عن الاصطفاف خلف اسم معين يجذب المعجبين للمتابعة، وهكذا برزت شخصية “روبي” التي أدتها رشا بلال وحفرت في أذهان المتابعين منذ الحلقات الأولى، توازيها “ريمي عقل” بدور “كارما” وبحضور يجذب العين من المشهد الأول، لا يخف سحر ولاء العزام رغم عدد المشاهد القليل بإمساك واضح لمفاتيح الشخصية، وتميز متجدد لـ جيانا عنيد بدور كاتبة السيناريو الباحثة عن حب غير مشروط، وكذلك رولا بقسماتي في تحدٍ جديد لما يمكنها أن تقدمه، وحضور دوجانا عيسى في دور جديد تستحق الذهاب إليه، مع اللمعان الواضح لريام كفارنة على عدة صعد في طريقة بناء الشخصية وبناء حالة تصاعدية لها بمزيج من الرقة والقوة معاً. ما يجعل المسلسل نسائياً بقوة دون إهمال لمشاكل الرجل وطريقة تفكيره في العلاقات ودوره في المنزل.
بين المديح والملاحظات
كل ما تقدّم في هذا المقال من قراءة العمل هو للإضاءة على الاختلاف في التجربة على صعيد تقديم 45 حلقة في بيئة عربية دون نص معرّب ولو حملت بعض الخطوط والمشاهد اقتباسات، ما يشجع الصنّاع على المغامرة في تقديم هذه النوعية من الأعمال التي لا تلعب بوعي المشاهد لإيهامه أنها ليست تجارية، بل تخترق مشاعره لتحريك شيء ما بداخله عبر تجميع عدة قصص من الحياة اليومية وصياغتها في عملٍ واحد قد نضع عليه ألف ملاحظة ولكنه بلا شك محاولة جيدة للبحث عن عمل مختلف في ظل ما يقدّم من مسلسلات تنتهي صلاحيتها عند عرض الحلقة الأخيرة.