بين الوسوف وميادة وأصالة…. الأغنية السورية “لا وصيّةَ لوارث!

بقلم : شارل عبد العزيز

لم يمر تصريح الممثل عباس النوري مرور الكرام حينما اعتبر أن أصالة نصري هي وريثة الأغنية السورية بعد جورج وسوف وذلك بالمقارنة بينها وبين ميادة الحناوي عبر إحدى المحطات اللبنانية لم يبرّر النوري سبب اختياره، وقد أرجعه البعض كون صاحبة أغنية “يسمحولي الكل” مستمرة في نشاطها الفني كإنتاجات غنائية وحفلات، بين لم تقدم الحناوي العديد من الأغنيات منذ مطلع الألفية الثالثة، باستثناء مشاركتها في بعض الأغنيات الوطنية، بالإضافة لغناء شارة مسلسل “زهرة النرجس 2008” مثلاً.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بات هذا التصريح مادة صحافية للطرح كي يبدي كل فنان سوري رأيه بها، وذلك منذ اختلاف التصريحات السياسية واشتعال المناكفات الإعلامية بين الثلاثي لسنوات طويلة، اعتبر الوسوف فيها أن أصالة ليست وفية لوطنها، فيما امتنعت نصري عن الرد كون الأخير صديق والدها الفنان مصطفى نصري واعتبرت أن تصريحاته قد تكون مطلوبة منه أو تساعد ربما على معاملته بشكل أفضل، ولم تتوقف التصريحات بين نصري والحناوي، حيث اعتبرت أصالة أن صاحبة أغنية “أنا بعشقك” متصنّعة، لترد الحناوي بأن الفرق بينهما شاسع، وغيرها من التصريحات، لتصبح بعدها المقارنة بين الثلاثي محطة رئيسية من الأسئلة في معظم المحطات العربية كونها ورقة رابحة يمكن أن يستفيد منها البرنامج في تحقيق نسب عالية من المشاهدة، لينهي الثلاثي هذا الخلاف مؤخراً علناً، ومع ذلك لم تتوقف هذه البرامج بإثارة النعرات بينهم.


وبالعودة إلى التصريح نفسه، لا ينتهي الأمر عند اختيار الاسم وحسب، بل السؤال نفسه: ماذا قدّم كلاً منهم كي يرتبط اسمه بالأغنية السورية؟

من أنا بعشقك إلى قد الحروف.. الأغنية السورية لم تجد طبيبها الجراح!

بعيداً عن بعض التجارب التي قدمها الوسوف في البدايات تحديداً مثل “ترغلي” و “بنت تلت سنين” وإعادة تقديم أغنية “الدهب يا حبيبي” للموسيقار ملحم بركات، إلا أن معظم أرشيفه الغنائي كان باللهجة المصرية وصُنِع بأيادٍ مصرية، حتى تجربته مع الشاعر السوري الراحل صفوح شغالة من خلال “طبيب جراح” و “تخسر رهانك” كانت باللهجة المصرية، علماً أن الأخير كتب العديد من الأغاني باللهجة السورية أو “البيضا” ولكن لم يأخذ منه الوسوف هذا اللون، وحتى غناء الوسوف للعمالقة كان باللهجة المصرية كإعادة أغنيات أم كلثوم ووردة الجزائرية، واستطاع أن يحقق فيها نجاحاً كبيراً خلال فترة الثمانينات والتسعينات بعد رحيل العمالقة وكانت تُسجّل على أشرطة كاسيت شأنها شأن أسطواناته الخاصة، إذاً يمكن القول إنه لم يقدم أرشيفاً كبيراً بلهجته الأم تخوّله لتوريث الأغنية السورية.


أمّا ميادة الحناوي وهي ابنة المحافظة السورية المشهورة بالطرب والتي خرج من عباءة قدودها وتراثها معظم المغنين السوريين وعلى رأسهم الاستاذ الراحل صباح فخري ولكنها لم تقدم أي أغنية سورية في أرشيفها، ومعظم الجمهور العربي يتذكر أغنياتها مع الملحن بليغ حمدي مثل “الحب اللي كان” و “أنا بعشقك” وغيرها، أما أصالة نصري تحاول أحياناً أن تقدم بعض الأغنيات السورية أو اللبنانية في أرشيفها مثل “يسمحولي الكل” التي كتبتها الشاعرة السورية سهام الشعشاع، أو “خلي الطابق مستور” التي لحنها المطرب الياس كرم، بالإضافة لأغنية “يا خالي” التي لحنها الفنان حسام تحسين بك وقدم بها تنازلاً لأصالة، كما أعادت إحياء بعض أغنيات والدها مثل “يا الناطر” و “البنت الدرويشة”، ويُحسب لنصري غناءها بعض أغاني التراث السوري والقدود الحلبية في حفلاتها الفنية، أو حتى بعض الأغنيات التراثية، علماً أن تجاربها خجولة نوعاً ما وهي أقل بكثير من التجارب المصرية والخليجية التي حققت رواجاً أكبر وتُعتبر أساسية في برنامجها الغنائي في حفلاتها، وهذا ما يفسر رفضها ربما أن تغني ألبوماً كاملاً من ألحان مروان خوري، فيما سبقتها لطيفة التونسية إلى هذه التجربة حينما قدمت ألبوم “معلومات مش أكيدة” مع زياد الرحباني وهي ليست ابنة المنطقة

هل من تشجيع!

كي لا نضع اللوم على المغني السوري وحسب، تغيب المهرجانات السورية وشركات الإنتاج السورية والتلفزيونات بشكل كلي تقريباً أو حتى التسهيل لشركات الإنتاج والقنوات العربية بالعمل داخل سوريا، مما لا يشجع المغني السوري وحتى العربي على الغناء باللهجة الشامية عموماً ويفضّل الغناء باللهجة المصرية كونه يصل فيه إلى جمهور أكبر عدداً ويضمن وجود العديد من صنّاع الأغنية والإذاعات والتلفزيونات التي تساهم بنجاح عمله، أو الغناء باللهجات الخليجية كون شركة “روتانا” تفضّل بل وتفرض أحياناً على المغنين تسجيل أغنيات باللهجة الخليجية، بالإضافة للاستفادة من الأجر المادي هناك، وهذا ما يجعل البعض مثل “ديانا حداد” و “ذكرى” و “سميرة سعيد” و “صابر الرباعي” و “يارا” يهجرون لهجات بلدانهم التي تقلّل من فرص وصولهم للجمهور العربي.

وقد يكون النجاح باللهجة المحلية بحاجة جهد زائد وهذا ما حققه العديد من النجوم مثل “وديع الصافي” و “نجوى كرم” و “ملحم بركات” بإصرارهم على الغناء باللهجة اللبنانية واستطاعوا تحقيق نجاح ووصول عربي واسع، ولا ننسى تجربة الملك نفسه فريد الأطرش الذي حقق نجاحاً كبيراً بأغنياته الشامية مثل “تؤمر عالراس وعالعين” وحتى باللهجة المصرية قال “سوريا ولبنان قامات وقدود” كما نجحت صباح سابقاً بإدخال الموال والأغنية اللبنانية لمصر، كما كان يطلب ملحم بركات من النجوم الغناء بلهجاتهم المحلية أولاً، بل ويهاجم الفنان حين يتخلّى عن اللهجة اللبنانية، ولكن هل تلقّى الفنان السوري أي دعم أو تشجيع رسمي وغير رسمي ليغني باللهجة السورية؟!

الإجابة هي لا، وفيما لو يحق لجورج وسوف وهو سلطان الطرب أن يورّث الأغنية السورية؟ فالإجابة هي لا أيضاً

الأغنية السورية “راحت تقمقش حطب”

تغيب الأغنية السورية ويغيب تاريخها عن ذاكرة الجمهور العربي والسوري حتى، وربما نجحت القدود الحلبية دوناً عن غيرها في الحفاظ على صيتها وذكرها لوجود صباح فخري الذي جمع أرشيفها وحافظ عليها، ومعه ثلة من المغنين الحلبيين مثل نور مهنا وشادي جميل، وقبلهم الأسماء الكبيرة مثل أحمد الفقش ومحمد النصّار ومحمد خيري “الكبير” وحسن حفار وغيرهم، وصولاً إلى جيل الشباب الذي يشارك في برامج المواهب العربية ويقدّم القدود بثقة وجديّة وكأنها النشيد الوطني لبلاده.


وفي الوقت عينه تضيع جهود بقية المغنين لتقديم أغاني سورية مثل ذياب مشهور الذي لم يعرف البعض أغنياته أو أنه صاحبها حتى خرجت فرقة “تكات” مشوّهةً أغنياته بتقديمها بألحان ومقامات مختلفة، وذلك ليس جهلاً منهم بل لأنهم على معرفة أن السوري لا يعرف تاريخ أغنيته، فهل يجرؤ أي مصري اليوم على اللعب بإرث سيد درويش؟ أو أي لبناني على تغيير أعمال الرحابنة؟، فكم سوري اليوم يعرف من هو إبراهيم كيفو مثلاً؟، أو صبري مدلّل؟، وكي لا يكون فرق الزمن واختلاف الأجيال هو المبرر، وعلى سبيل المثال رحل منذ أيام الموسيقي السوري نوري إسكندر، لتكون العبارة الملازمة للتعزية “من يكون هذا”؟


قد لا يتذكر الجيل السوري السابق اليوم سوى مروان حسام الدين وإبراهيم صقر ومواله “بيني وبينك أفي فرق، حرقتي قلب إبراهيم حرق، ضيفتيني سيجارة شرق، وأنا أبغير دخاني”، وغيرها من الأسماء التي دُعمت لتشارك بمهرجان الأغنية السورية وعبر الإذاعات والتلفزيونات واختفت لاحقاً دون أن تترك أي أثر لدى الجيل الجديد الذي تبدأ الأغنية السورية بالنسبة له من خلال “الحاصودي”، أو “نمتي وما عاد تفيقي” وغيرها من الأسماء التي تلخّص اليوم الأغنية الساحلية والتي تختلف بمضامينها وإيقاعها عن السائد حالياً، ولكن الأغنية “الداشرة” تعلّم بعض الناس السرقة.

من “نمنم خانم” إلى “وطفة”

هكذا اختلفت الأغنية السورية من دولاب أبو خليل القباني ودقة ستي للنقشبندي إلى طلال الداعور، ومن معاني مثل “قدك المياس” و “عطشان يا صبايا” و “مندل يا كريم الغربي” إلى “ع كاسة متة سهران” و “سبقونا هالحصادي” وغيرها، واختلفت رسالة الأغنية من حث الشباب على العمل والافتخار بالوطن والحب وغيرها من القيم إلى انتظار “بنت ،المدرسة” كثقافة جديدة للجيل الحالي، والمشكلة ليست في المعاني الشعبية، فحين كانت تغني النساء من التراث “طفطف شروال محبوبي” أو حين نغني “يا نمنم خانم قلبي نار” كانت مفردات شعبية لطيفة مقتبسة من قاموسنا اليومي، وحتى السيدة فيروز التي غنت القصيد قالت “ردّي منديلك ردّي”، ولكن الفرق في المستوى ، فلن نقبل عبارة “يخربيتك يا وطفة ” بحجة أنها شعبية!.

وأتت الحرب لتزيد الطين بلة جاعلةً العديد من الأصوات السورية وأصحاب المشاريع يغادرون البلد مثل سميح شقير وشقيقته سهير ولبانة قنطار والياس كرم ونور مهنا وسواهم، بالإضافة لأسماء شابة كانت تغني شارات المسلسلات التي اقتصرت الأغنية السورية الجيدة عليها لفترة معينة مثل ديمة أورشو وهالة أرسلان وبسمة جبر، ولم يقدم بعض الملحنين السوريين مثل طاهر مامللي ورضوان نصري وسعد الحسيني ومحمد عثمان سوى شارات المسلسلات علماً أنه كان بإمكانهم تقديم أغنية سورية مستقلة بالتعاون مع نفس الأسماء، ولكن عدم وجود جهات منتجة للموسيقى كما الدراما أبعدهم عن هذا المشروع.

وبقيت الراحلة ميادة بسيليس وحدها تحارب للحفاظ على هوية أغنية سورية جيدة بالتعاون مع زوجها الملحن سمير كويفاتي، بالإضافة لبعض الأسماء التي حاولت تقديم أغنية سورية مثل نورا رحال وعبير فضة ورويدا عطية ولكن معظم هذه التجارب لم تستمر.


قد تكون موجة الأغنيات التي توصف بالهابطة ليست جديدة على الساحة الغنائية، ولكنها كانت تُحارب بالتجاهل وليس بالمنع كما تسعى نقابة الفنانين حالياً، ولولا مواقع التواصل الاجتماعي لما وجد البعض نافذة للوصول، ولكن في سوريا كان يتم دعم بعض أصحاب هذا النوع من الأغنيات مقابل تهميش أصحاب المواهب الحقيقية ليبدو الأمر مقصوداً أو ربما بإشارة دعماً لأسماء معينة قريبة من أصحاب القرار، وبدلاً من نشر اللهجة السورية كما فعلت الدراما بتنا نُلام على نشر هذا المستوى من الأغاني السورية وتقليدها من الدول المجاورة على أننا صدرنّاها لهم، وبات كبار النجوم العرب يتعامل مع شعراء وملحنين هذه الأغنيات.

بهذا لم نحافظ كسوريين بالمجمل على أغنية سورية نقدمها للجيل الجديد كنموذج يوازي ما نسمعه حالياً لتبقى مجرد عنوان عريض نطرحه عبر وسائل الإعلام ونفاضل لنختار من هي نجمة سورية الأولى بدلاً من دعم الأسماء الجديدة، ومن يرث الأغنية السورية بدلاً من صناعة أغنية سورية أولاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *