“ممدوح حمادة.. مدير حسابات المواطن السوري”

مقال لـ: محمود المرعي

يتفرّد كلّ من كتّاب الدراما السورية بمفردات وأدوات خاصّة، فنجد الكاتب حسن سامي يوسف يعشق القهوة وفيروز والمتنبّي والعديد من الشّواهد الشعريّة، ونجد يم مشهدي كتبت عملاً كاملاً عن “قلم الحمرة” بينما تعشق “أمل حنا” كلمة “الضمير” ويحب “علي وجيه” الحديث عن الأماكن الفقيرة والمسحوقة والعوالم الغريبة أما بالنسبة للكاتب والسيناريست د.ممدوح حمادة فإنه لا يملّ عن محاولته لإدارة حسابات المواطن السّوري، فالآلة الحاسبة هي أداته المفضّلة في مختلف السيناريوهات، فباستعراض بسيط لأعمال الكاتب القدير الّذي قرأنا يوميّاتنا من خلال أعماله نجد بأنّه يحمل على عاتقه همومنا الماليّة ومصاريفنا ليس ابتداء ب”سعيد النايحة” في مسلسل “بطل من هذا الزمان” وليس انتهاء بدفتر الدجاجات الخاص بـ “أسعد وجودة” في مسلسل “ضيعة ضايعة”

حسابات ممدوح الصعبة

قدم ممدوح شخصيات مختلفة كانت دائماً تبحث عن حلول منطقية لتستطيع العيش في ظل حسابات مادية ومعنوية صعبة تحاكي واقع حال المواطن السوري وحتى العربي البسيط في كل زمان وكل مكان.
فمثلاً أبى “سعيد النايحة” أن يكون طُعماً لمغريات الحياة فظلّ مجرّد موظّف فقير متزوّج وأب لشابّين وفتاة تدرس الطّبّ لكنها لا تملك ثمن أدوات التشريح لتنعم بنعمة الاجتهاد الدراسي كما يجب فأصبح بصبره “بطل زمانه”، بينما استطاع الشاب “عماد دباح الغولة” أخيراً الزواج من “ميساء جميل” الجميلة فعلا لكن لا مكان لاستعراض كل هذا الجمال في سكن مشترك مع “بيت الأحمى” حيث لا خصوصيّة معيشيّة مع تأجيل مستمر لإنجاب طفل يرزقهما الله إيّاه أخيراً لنجد أن عملية تحقيق دخل وشراء منزل مستقل شبه مستحيلة فيصبح كل من عماد وميساء والمولود الصغير في عملية تنقّل مستمرة بين منزل أهل العريس ومنزل أهل العروس!


أمّا “ناظم أبو الخل” استطاع فعلاً أن يحتال على القانون مستغلاً كونه مدير عام لإحدى دوائر الدولة بعد أن كان المثل الأعلى لابنه وابنته ومضرب مثل عن الشّرف والأخلاق فيستغل منصبه ويتزوج مرات عديدة إلى أن تعيده الحياة إلى كنف زوجته الأولى مُقعداً لا يستطيع الحراك فيكسب البطولة لوقت قصير ويعود مهزوماً.


أما في مسلسل مشاريع صغيرة فقد تجاوز ممدوح حمادة مرحلة ريعان الشباب أو الكهولة، ليطرح حكاية الأربعيني “عاصي” كنموذج للرجل المتأخر عن الزواج بسبب صعوبة تحقيق الموازنة الشخصيّة بين الإيراد والمصروف كأخٍ أكبر حمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ على استقرار العائلة ماديّاً حتى بعد أن تزوّج إخوته وأخواته، ليحولَ ذلك دون استقراره العاطفي إلى أن يسعفه القدر ويمنحه هبة الزواج من الفتاة الّتي يحبّها في نهاية المطاف.


كما لا يُمكننا أبداً تجاهل أسعد وجودة الّذي يحاول أحدهما السّيطرة على الآخر لتحقيق مختلف المكاسب لا سيما المادّية منها، إذ يستغل جودة طيبة صديقه ويملأ كيسه على حسابه.

موازنة ممدوح حمادة في الحرب السورية

حدث ما حدث في سوريا، لكنّ ممدوح مع كل هذا ظلّ يحاول تحقيق الموازنة من خلال “أبو عادل” في مسلسل “ضبوا الشناتي” فهو إلى جانب الحرب رجل بخيل أيضاً وهنا تكمن الكارثة التي تدور حول حيّ دمشقيّ وبيت كبير كان بيعُه هو الحلّ الوحيد للبحث عن حياة مستقرّة في بلد أوروبيّ بارد حيث لم يصل إليه أحد من أفراد العائلة سوى طفلة رضيعة، لتحضر في الذّاكرة شخصيّة “فداء” من نفس المسلسل الّتي برعت الفنانة “أمل عرفة” في تجسيدها إذ تتحدّث عن طموحها عند الوصول إلى أوروبا بأن تعمل “شحادة أكابر” وكأن الكاتب مدير الحسابات أراد الترميز إلى أن القلّة وضيق العيش متغلغلة في عقلنا الباطن لدرجة جعلت من التسول فرصة عمل وطموحاً خاصاً بسيّدة سوريّة تخطّط لقطع الحدود والبحار للوصول إلى منطقة أمان واستقرار نفسي واقتصادي

اليوم.. يحاول العديد منّا وفي ليلة رأس السنة تحديداُ كتابة أهدافه للعام الجديد، ومن المتوقّع أنّ الآلة الحاسبة والوقت والتاريخ وكل ما هو مُلخّص في جهاز ذكي بجانب كلّ منا، فيكتب أحدنا أهدافه في تطبيق الملاحظات، وينتقل إلى الآلة الحاسبة، ثم يعود إلى مشغّل الموسيقى لسماع أغنية تحفيزيّة تساعده في التخطيط، علّ أحدنا يُوازن طرفيّ المصاريف والإيرادات ويفعل ما عجز عنه المُفكّر “ممدوح حمادة” منذ قرابة الثلاثة عقود!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *