عن الهواجس المتسللة عبر الأبواب المغلقة.. في رواية أخرى

بقلم: حسين روماني

اشتعلت خشبة مسرح الحمراء في دمشق بعرضٍ جديد للكاتبة لوتس مسعود والمخرج كفاح الخوص حمل عنوان “وفي رواية أخرى”، أذاب جليد الحركة المسرحية خلال الفترة الماضية، عبر شراكة متنوعة الأجيال ألهبت الفضاء المسرحي أداءً ممزوجاً بالشوق لهذا المكان، يستمر عرضه لمدة أسبوعين.

ساعة ونصف من الزمن عشناها مع الكاتب “جبران” (كفاح الخوص) بهواجسه ومشاكله التي حاصرته حتى الموت، تبدأ الحكاية بحقيبة تبحث عن الثياب التي ستحتويها من غرفة النوم، تمهّد لخلاف مع زوجته “ديالا” (مرح حجاز) سيظهر على العلن، ولكن جرس الباب الذي قرعته “مدام إيفون” (أمانة والي) يخطف الأضواء لتختبئ منها الزوجة في الحمام وتستمع إلى حوارها اليومي مع “جبران”، فتطالب السيدة الأنيقة ابنة الطبقة الراقية بنقودها لقاء آجار المنزل المترتب منذ حوالي 3 أشهر، فتسمع أعذار الرجل المثقف ثم تنفجر غضباً أمامه، حتى تغادر ويعود خلاف الزوجين عبر نقاش تناول الشك والخيانة والرجولة ونظرة كل واحد فيهم للحياة، أوله في غرفة الجلوس وأوسطه في غرفة النوم وآخره على باب المنزل.

وعبر الحديث الذي دار نلامس ما يعانيه هذا الكاتب من “عجز” مادي وفكري وحتى جنسي، لتغادر الزوجة أيضاً ويبقى جبران مع شخصيات يراها بعينيه تدخل منزله رغم بابه المقفل، أولهم اللص “حشكو” (علي إسماعيل) الذي يسبح في أفكاره ودردشته عن النساء فيغرق بحزنه نحو قاع الخذلان من الفتاة التي أحبها، ما يفتح المساحة لجبران كي يتحدث عن الشك الذي يراوده حول زوجته، فيحاول اللص أن يطهّره بإطلاق الماء عليه من مسدسه، لكن الماء يتحول فجأة إلى رصاصة تستقر في جسد “شكو” تبعثر “جبران” ليبحث للجثة عن مكان يخبئها به فلا يجد سوى الأريكة، لتظهر الشخصية الثانية “فوكس” (سليمان رزق)، خريج الأدب العربي الذي يعرف بطل العمل ونصوصه وأعماله السينمائية والتلفزيونية وكأنه ظله، يمتد الجدال بينهم نحو الطريق التي سلكها ذلك الشاب بين شركات الإنتاج ونظرة الكاتب الدونية له وينتهي بموته ليتمدد داخل الأريكة كالجثة التي كشف سرها لجبران،، ثم تظهر الراقصة “شوشي” (وئام الخوص) والتي تدعي بأنها صاحبة البيت الحقيقية، فتخرج من ذلك المثقف ما يدور في ذهنه عن عجزه على سرير الزوجية، لكن الأمور تؤول إلى قتلها أيضاً، لنرى أخيراً “الدكتور سعيد” (نوار سعد الدين) الطبيب النفسي المصاب بالجنون، قاضياً وجلاداً لجبران فيحكم عليه بالحياة وحوله كل هذا الموت على ما اقترفته يداه، وينهي المشهد الأخير الحكاية، باكتشاف الزوجة وصاحبة المنزل جثة “جبران” في حوض الاستحمام وهي منتفخة في إشارة إلى وفاته منذ عدة أيام.

ينتمي العرض بزمنه إلى وقتنا الحاضر، يناقش في خطوطه العريضة انعكاسات الواقع على الحالة النفسية لكاتب التهمه مرضه النفسي عبر شخصيات تخيّلها حسب ما أراد فأطلق العنان لطائر الخيال الذي أخذه نحو العنف والحزن والغضب فسقط مع صحوة الضمير من سماء خياله ميتاً، هي رؤية كانت قد انطلقت منها الكاتبة الشابة لوتس مسعود بتجربتها الثالثة في عالم المسرح، عبر نصّ ظل حبيس الأدراج منذ العام 2020، تحت شمس التجربة اختارت أن تبدأ مع الخوص رحلتها الجديدة الذي هو الآخر سحرته فكرة العرض من أول لقاء معها على الورق، ليجد طريقه اليوم بعد 3 أشهر من النقاشات والتعديلات المرنة بين شركاء العمل، تخبرنا لوتس أن خطوتها الجديدة بعيدة تماماً عن ظل والدها القدير غسان مسعود، فهو الذي شجعها على الخوض في المعترك المسرحي مع شريك جديد، لترى المسرح من وجهة نظر أخرى، فما ستواجهه سلباً كان أم إيجابياً سيرفع رصيدها المسرحي ويزيد من خبرتها، وهو على قائمة المدعوين ليلة الافتتاح ليشاهد ولأول مرة نتاج ابنته دون أن يكون لديه أدنى فكرة عن العرض، وتلك مفاجأة حضرتها لوتس مع كفاح بعناية، خاصةً عند اختيار أبطال العمل، اللذين تراودوا إلى ذهن الخوص وهو يقلّب أوراق الشخصيات ويغزل في عقله ذلك النسيج المحكم فكل ممثل على الخشبة كان يناديه دوره، والفكرة كانت مذهلة وخارج الصندوق بحسب ما قال لنا الخوص، والتعديلات التي مر بها النص أثمرت عن كيمياء بينه وبين الكاتبة التي وصفها بالمرنة واللينة بعكس بعضّ الكتاب الذين يقفون جامدين قبالة نصوصهم خوفاً من تعديلها، عدا عن أن مباشرة الطرح والجرأة كانت ضرورية فهي دعوة للتفكير وقراءة الواقع دون رمزية، وهنا ترى صاحبة شخصية “شوشو” الفنانة وئام الخوص بأن دور الراقصة ليس بجريء إنما قليل الطرح على الخشبة.

المسرح محطة متكررة يصل إليها الممثل بين الحين والحين، حسب برأي الممثلة الشابة مرح حجاز هو مساحة للممثل كي يجدد أدواته، والانقطاع الطويل عنه يفقد الممثل شيئاً منها شاء أم أبى، لكنها تضع معايير لأي شراكة مسرحية أولها أن يلامس النص مشاعرها ثم المخرج وفريق العمل، وهنا تحدثت لنا بطلة “طميمة” عن التنوّع الموجود بين الأجيال خاصةً مع وجود السيدة القديرة أمانة والي صاحبة المسيرة المسرحية الحافلة، فبنظرها هي قامة فنية كبير تفتخر بالوقوف إلى جانبها، تزرع بحديثها معهم عن تجاربها طاقة كبيرة لتقديم الأداء المطلوب، لنختم حديثنا مع الفنانة والي التي سألناها عما إذا تخوّفت من المساحة المتواضعة للدور، لتجيبنا بأن ما قدمته الشخصية لها أكبر بكثير من مساحة الدور، فالممثل عندما يحب شخصية على الورق يفعل كل ما بوسعه كي يجسدها بكل شغف، فالمساحات متوزعة بشكل متوازن، والتجربة مع الجيل الجديد مغرية لما فيها من تبادل للمعرفة والخبرات.