رضوان نصري، مَن باحَت صوره اللّحنيّة بآهاتنا المكتومة
أغسطس 16, 2021
لماذا لا يحب السوريون الدراما المشتركة؟ ثمانية أسباب توضح ذلك!
سبتمبر 26, 2021

صالون زهرة «الذابل» بتفاصيله!

بقلم: شارل عبد العزيز

“ايه الكوافير الحريمي بتاع زهرة ده؟!” هو تعليق اصطادني لأحد الزملاء الصحافيين المصريين عقب مشاهدته مسلسل صالون زهرة “كتابة ندين جابر، وإخراج جو بوعيد”، لما يحمله هذا التساؤل من تهكم ساخر ونقد لاذع يستنكر النتيجة النهائية لهذا العمل الذي كان من المفترض أن ينتمي للجنس الكوميدي أو كوميديا الموقف، وكيف لا؟ وهو مثل معظم المصريين الذين تربوا على صناعة أعمال كوميدية سينمائية وتلفزيونية وحتى مسرحية استطاعت الوصول إلى كل بيتٍ عربي ولا نزال نضحك على مواقفها وحواراتها “وإيفيهاتها” من زمن شكوكو، وإسماعيل ياسين، وزينات صدقي، مروراً بعادل إمام، وسمير غانم، ووصولاً إلى أحمد حلمي.

وحتى التجربة الكوميدية السورية واللبنانية لا يمكن إغفالها على الإطلاق، وخاصةً حينما دُمجت التجربتان في تجربة مشتركة أنتجت أعمالاً حاضرة في الذاكرة الشعبية، وممثلون صنعوا ضحكاتنا مثل تجربة دريد لحام ونهاد قلعي وصباح وفريال كريم في “عقد اللولو” و “فندق الأحلام”، والملفت حينها أن الممثلين كانوا شباباً والممثلات إناثاً، كالمتعارف عليه اليوم فيما يسمّى “دراما مشتركة”، ولكن هل التجارب الجديدة تتوافر فيها التفاصيل لتنجح كتجارب الزمن الجميل؟

لعل اختيار البيئة الشعبية لتكون حاضنة للعمل الكوميدي هي فكرة ليست من بنات أفكار الكاتبة “ندين جابر” بل سبقتها إليها معظم التجارب المصرية مثل “أبنائي الأعزاء شكراً، عائلة الحج متولي، أبو البنات” وتجارب سورية مثل “بكرا أحلى، كسر الخواطر” وحتى تجارب لبنانية مثل “مش زابطة، حلوة وكذابة” لما قد تحمله هذه البيئة من مواقف وطرائف، فإذا جمعنا الأعمال الكوميدية التي تحصل في القصور والبيوت الفخمة قد لا نكمل أصابعنا الخمسة، وكأن الحب للأغنياء والضحك للفقراء، علماً أن هذا الاختيار خدم نصها لأنه يتوافق وفرضيتها الدرامية التي من الصعب أن تحدث في بيئة مغايرة، ولا ضير في ذلك لأنه مجتمع قريب من القلب ويمثّل غالبية الشعب اللبناني حتى في العاصمة، ولكن على عكس تلك التجارب لا يمكن إيجاد شخصيات نافرة أو مركّبة أو حتى لافتة، بل كلها بسيطة، عادية، صاحبة صالون نسائي وفتيات يعملن لحسابها، والدها صاحب أوتيل شعبي، بائع لحوم وبجانبه بائع دجاج وهذا لا يحدث في الشوارع اللبنانية بالغالب!، وجيران والخ ..

تبدأ الدراما من النص وهنا تكمن المشكلة، القصة غير محبوكة وضعيفة، ومستهلكة مثل بيئتها، فأن تصل المقاعد الجلدية إلى الصالون بدلاً من شحنها إلى سوريا وهي محشوّة بالدولارت، هي حكاية تكررت سابقاً في مقالب غوار وفي تجارب مصرية كثيرة، ولم تكن مشوّقة أو بوليسية على الإطلاق، علماً أن الكاتبة أتت على ذكر أزمة المصارف وهذا ما أضاف للنص، ولو كررت في استعراض مشاكل البيئة لكان العمل حقق هدفاً مهماً في العمل الذي غلب عليه الأحداث القائمة على المصادفات، وحتى الحوار القائم على العبارات الكوميدية التي أكل الدهر عليها وشرب لم تفلح في تغطية شقوق النص، بل دخلت في مشكلة التناقض، صاحبة صالون “نادين نسيب نجيم” ترتدي فستاناً يساوي ثمنه الحي وما فيه ومع مكياج وإكسسوارات وتسريحة راقية، كيف يمكن أن تقول “مونوكور وبودوكور”، ودون أن تفتعل لهجة شعبية؟، ولماذا تستغرب شخصية لبنانية إن قال لها أحدهم “يا مدام”؟ مصوّبةً العبارة بكلمة “ديموزيل” واللبنانية معتادة على هذه الكلمة كتقدير لكل الفتيات، على عكس الشخصية السورية التي من المقبول أن تصوّب له، وحتى لهجة أنس “معتصم النهار” الشامية المبالغ فيها أو ما نسميها “البوجقة” فشلت هي ونكاته في إعطاء قيمة درامية مضافة.

من الصعب أن نحكم على “جو بوعيد” كمخرج درامي متمرّس ولكن يمكن أن نلومه على تنفيذ العمل كفيديو كليب طويل من حركة الكاميرا غير الموزونة وغير المنضبطة، تلاحق الفعل ورد الفعل وحسب، كالشاعر المبتدئ الذي يكتب في كل شطر فعلاً وفاعلاً ومفعولاً به ليبقى في المنطقة الآمنة، كما أن للدقيقة التلفزيونية قيمة كبيرة لا تتحمّل تصوير حافلة تحميل البضائع من الأمام والخلف خمس أو ست مرات متعاقبة دون جدوى، فضلاً عن الاهتزاز المتكرر لحركة الكاميرا غير المقبول لخبرة فريق العمل والتقنيات التي توفرها شركة الصبّاح للإنتاج، وبعيداً عن الناحية التقنية، اختيار اللقطات كان عشوائياً يعتمد على استعراض اللقطات الجميلة لا المفيدة، قد يهم المغنية تصوير ساقها في الكليب لاستعراض الحذاء ربما، ولكن الممثلة بحاجة إبراز معالم وجهها لتقنع جمهورها، هذه التفاصيل وغيرها لو اهتم المخرج بدراستها مع العمل على تقطيع النص والإشراف على مونتاج المادة المصوّرة بأمانة وحرص شديدين لكان عمله وصل إلى المستوى المقبول.

مثل نادين نجيم، معظم نجمات الدراما العربية مثل سلافة معمار، وكاريس بشار، ومنى زكي، ونيللي كريم وغيرهن، يوجد في أرشيفهن تجارب كوميدية لم تكن بالمستوى الذي يوازي تجاربهن التراجيدية، ولكن كانت مقبولة، ولذا بقيت تجارب يتيمة أو قليلة، علماً أنها أتت بعد خبرة تلفزيونية طويلة، لكن نادين حتى وإن ظُلمت بالمقارنة معهن، لكن توازيهن اليوم نجوميةً وانتشاراً، لذا يجب أن يكون اسمها عزيزاً عليها أكثر ولا تخاطر بتجربة غير مكتملة العناصر كهذه، لاسيّما أنها خارجة من تجربة جماهيرية ناجحة “عشرين عشرين”، فالصالون نصاً وإخراجاً ربما لم يسمح لها ببناء شخصية كوميدية من لحم ودم ولها شكلها وانفعالاتها ولهجتها وأسلوبها المتفرّد، بل شعرنا أن نادين هي هي، بخلاف شخصية “حياة” المنفصلة عن نادين الجميلة الأنيقة، وحتى معتصم النهار ربما طُلب منه أن يكون وسيماً لا أكثر، لذا لم يبذل أي جهد درامي إضافي يذكر.

قد يُستغنى عن دور الممثل علي سكر بكل سلاسة دون المساس ببنية العمل، أمّا لين غرة الموهوبة لم تكن كذلك في الصالون، ربما لا تصلح للكوميديا، أو لم يوجد مخرج كالليث حجو يُخرج منها أداءً جيداً كتجربة “مسافة أمان”، وكذلك رشا بلال، أما الشابة زينة مكي قد نظلمها أيضاً إن قلنا إنها لم تقدم شخصية ناجحة حتى الآن ولكنها حتماً لم تؤثر في الصالون.

ويُحسب للعمل إعطاء الفرص لوجوه قديرة نحبها واستطاعت الإضافة للعمل بالحد الأدنى لعدم توفر المقومات الأساسية للأداء وضيق الدور مثل عمر ميقاتي، ونوال كامل، وجورج دياب، ونهلة داود.

استطاع الموسيقي اللبناني مايك ماسي صناعة شارة مناسبة تلائم العمل ولكنه فشل في تقديم موسيقى تصويرية مناسبة تكمّل المشاهد الدرامية، حتى الألوان والديكورات الخاصة لا يمكن أن تعطي إضافة حينما يكون الأساس مختلاً.

قد تكون تجربة قصيرة عُرضت على منصة ولم يشاهدها الكثيرون لعدم اشتراكهم فيها، ولكن من المفترض أن يكون درساً لكل فريق العمل كي يعرفوا أن الدراما تقوم على التفاصيل، وملعب الكوميديا كملعب مصارعة الثيران إما أن تخرج منه رابحاً أو مقتولاً، ولا مجال للترفيه فيه لأن أُسسه تختلف قطعاً عن فيديوهات التيك توك وعن الدراما المتكاثرة التي تُصنع بكثرة و “بالكيلو” وكأنها بسطة في سوق الخضار!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *