حقيقة درامية انتهت بـ “وهم”

بعد تجربة لم تكن ناضجة تماماً في مسلسل “حكم الهوى” في موسم رمضان 2017، استلم المخرج “محمد وقاف” إدارة مسلسل “وهم” بشكل مختلف تماماً عن العمل الذي قدمه في 2017، فمن الرومانسية إلى الدراما البوليسية الاجتماعية المليئة بالتشويق والأحداث المترابطة.

يبدأ مسلسل “وهم” بإيقاع خفيف وبسيط قد يوحي بالملل، لتبدأ الأحداث بنهاية الحلقة الثالثة حين تقع جريمة القتل، فتنقلب القصة رأساً على عقب، ينصدم الجمهور بما جرى ويصير شغوفاً في كل حلقة لمعرفة القاتل خصوصاً أن شبكة المشتبه بهم كانت ضمن دائرة من الشكوك لا تنتهي.


 

“وهم” نص لسليمان عبد العزيز والذي يتضح جداً أنه عَمِلَ عليه بشكل مكثف ليخرج بهذه الحبكة القوية والأحداث المترابطة، فكل شخوص العمل متسلسلةً مع بعضها، ولها علاقة بالأخرى بطريقةٍ ما، فجاء المسلسل خالٍ من الملل والبطء، خصوصاً أن الكاتب كان ذكياً في كثير من الأماكن، فما إن تبدأ الحلقات بالفتور حتى يَخلق حدثاً جديداً ليشعلَ المسلسل من جديد، كما أن الشخصيات لم تظهر كلها دفعة واحدة، إنما بالتدريج، فكل ثلاث حلقات تقريباً نتفاجأ بشخصية جديدة لها ملامحها الخاصة مما يُبقي المُشاهد في حالة ترقّب منتظراً ماذا سيحصل دون أن يصيبه الملل وذلك بسبب تجديد الدماء في العمل.


 

على صعيد بطولة الثنائي “صفاء سلطان” و “محمد الأحمد” شكلا اجتماعهما حالة دافئة في المسلسل كقصة ترصد علاقة مقدّم أمن جنائي ومحللة نفسية معاً في مكان العمل، وتبعات هذه العلاقة. حيث لم تأتِ الشخصيتان باهتتان بل صنع التباين بين هدوء ريتا وفوضوية بيان حالة جذابة على مدى حلقات العمل، لم تبدُ مقحمة حتى لو كانت تحتمل نهاية محبوكة أكثر من التي قدّمت فيها.


أما إخراجاً، فاجأنا “محمد وقاف” بعدة مواضع إخراجية أهمها اعتماده على الوجوه الجديدة الشابة من خريجي وخريجات المعهد العالي للفنون المسرحية والذين يظهرون لأول مرة على الشاشة، ورغم ذلك كان أداء الأكثرية منهم مقنعاً ولطيفاً.

تنتقل كاميرا وقاف بسلاسة بين الشخوص، فنجد أنفسنا أمام شخصيات حقيقية جداً، غير مصطنعة ولا عبثية، فهي معنا في كل يوم ونجدها في كل حارة شعبية داخل أي مدينة سورية، كما لم يؤدِّ الفنانون أدوارهم بشكل مبالغ فيه أو مزعج، رغم أن القصة تتحمل نوعاً من المبالغة إنما آثر المخرج أن يكون العمل منطقي راقي يوصلُ الإحساس المناسب للجمهور من خلال لقطات ذكية في كثير من المواضع وقدرة تمثيلية عالية لنجوم العمل.


يكمن ضعف المسلسل من خلال التلميع للواقع، حيث أوحى الكاتب أن الأخطاء التي قد تقع بحق الناس من قِبل الشرطة والمحققين هي فردية!

سليمان هُنا حاول أن يفتح للجمهور السوري باباً توعوياً قد أغلقوه على أنفسهم، حيث وضّح للمحقق والشرطي -ولو بشكل افتراضي- ما له وما عليه من واجبات تجاه المواطنين، كما وضّح للمواطن العادي حقوقه التي يجهلها أو يخاف من المطالبة بها كحق تفتيش المنازل بإذن رسمي، وحق التعامل الإنساني معه، وحق عدم الإفصاح بكلمة إلا بطلب محامي للشخص المشتبه به.

هذا الطرح والذي جاء مقنعاً لم يؤثر على العمل، فمن الجيد عرض صورة محترمة للناس كي يتقبلوها ويعملوا بها تدريجياً ويتم تفعيلها على أرض الواقع. مسلسل “وهم” لم ينل صيتاً ذائعاً أو عرضاً لائقاً وذلك بسبب عرضه على قناتين سوريتين محليتين فقط هما “سوريا دراما” والفضائية السورية مازالتا تعتمدان على حزمة بث قديمة تحرم المشاهد من المتعة، إلا أن من شاهده تأمَّل خيراً من جديد بأعمال المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني خصوصاً أن الكاميرا والصورة اللونية بدأت تتطور في أعمالها وتقدّم هوية أفضل للعمل.


 

لا يخلو المسلسل من التنظير تحديداً في قصة هجرة الشباب بحراً إلى أوروبا بحثاً عن حياة جديدة لأسباب مختلفة، بعضهم هرباً من الخدمة الإلزامية والآخر للعمل والثالث بحثاً عن الفن، وآخرون للعيش في ظل قانون مدني غير ديني، القصص الواقعية جداً والتي حصلت حقيقةً مع فئة كبيرة من المهاجرين السوريين جاءت في نهاية العمل غير مقنعة خصوصاً بعد أن عاد مجموعة شبان إلى سوريا بعد أن قطعوا الطريق وصاروا ضمن جزر أوروبية، ليرجعوا محملين بجثة يدفنونها في حمص وكأنّ التحرك ضمن البلاد سهلٌ جداً متناسين المعارك المحتدمة الحاصلة فيها عام 2015 وهو العام الذي تجري فيه أحداث “وهم”، فكانت الفكرة مستهجنة غير منطقية، صحيحٌ أنها دعت للعودة للوطن لكنّ كلن ذلك بأسلوب غير محبب ومبالغ به.


بعد كل ما قدمه سليمان عبد العزيز ومحمد وقاف استعصى الاثنان عن تقديم نهاية تليق بهذا العمل الحقيقي، فكانت الخاتمة “وهماً” لكثير من الجمهور، فعَدا أنّ القاتل قد توقّعوه الناس، قُدّم سرد الحكاية من قِبل القاتل وكيفية حصول الجريمة بطريقة غير ناضجة ولا تتناسب مع التشويق الذي بدأ فيه العمل.

وبعد اعتراف المجرم، سُلِقَت “المَشاهد” حرفياً، فكانت عبارة عن عدة لقطات أكثر من كونها مشاهد يتفاعل معها الناس كما في الحلقات الأولى.

إطالة العمل غير المبررة حتى تعداد اثنين وثلاثين حلقة أكسبت المسلسل وهناً وتباطؤاً في الأحداث الأخيرة، ونهايةً غير محبوكة السبك، فخاب ظنُّ الكثيرين ممن انتظروا هذه اللحظة.


رغم نسف “وهم” لحقيقته في نهاية الأحداث إلا أنه كان عملاً جيداً يستحق المتابعة وجديرٌ بأن ينال كادره ثناءً بدءاً من الكاتب والوجوه الجديدة الشابة، وانتهاءً بالمخرج الذي فاجأ الناس وأثبت أن له بصمة في عالم الإخراج، منتظرين منهم أعمالاً بنهايات أفضل لا يخيب معها آمال الجمهور.


ألبوم صور العمل كاملاً : تصوير نبيل نجم 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *