لماذا الأبلة فاهيتا؟!

 

تبدأ الشارة بأسلوب لا يختلف كثيراً عن مقدمة برنامج البرنامج لباسم يوسف. لكن باسم ليس في الشارة والورق الذي كان ينتقل بكثافة أمام شاشة الكاميرا استبدل بالراقصين والأضواء، فهذا ما يلائم ويتناسب مع شخصية -إن صحت تسميتها بشخصية- الأبلة فاهيتا.


هكذا عرفتنا الأبلة عن نفسها!!

استقاءً من بيئة المجتمع المصري الذي يعتبر مفردة الأبلة كلمة أثيرة للنداء توجه نحو المربية الحنونة أو السيدة القريبة من القلب لقّبت فاهيتا بالأبلة. أما هي على الواقع المتمردة منذ الظهور الأول في كليب مع الموزع الموسيقي حسن الشافعي الذي حمل اسم “مايستهلوش” ومن حينها استولت الأبلة على الريمونت كونترول لشاشة التلفاز وقررت من تلقاء نفسها أن تكون حاضرة على الشاشات في نهاية كل أسبوع. فهل كانت الأبلة البديل عن البرنامج؟!

“الدوبلكس” هو مدار التفكير الذي من الممكن الانطلاق عنه بحثاً عن الجواب. نحن أمام ديكور منزل طابقي وأثاث فاخر علاوة على توزع أنيق للطاولات الكراسي على المنصة وللجمهور. وهنا يبتعد الدوبلكس عن البرنامج فلا طرح سريع ومباشر تعقيباً على الحدث الإخباري ولا نمط “talkshow” ناقد بل أقرب إلى أحاديث نميمة الصالونات التي تبرع فاهيتا بالتعليق عليها. أما عن وجه المقارنة، فينطلق من المواسم الأولى لفاهيتا ولاسيما الأول والثاني واللذان لم يبتعدا كثيراً عن أسلوب باسم يوسف في انتقاء فيديوهات من الإعلام المصري والتعقيب عليها سواء في التعاطي مع القضايا اليومية للناس أو القضايا الإقليمية. وسرعان ما تبدا للعيان أن الأبلة تستطيع كونها دمية أن تقول ما لا يستطيع غيرها قوله. وبذلك نمت جماهيرية الأبلة بسرعة وغدت تنافس الباسم في موقعه الإعلامي مع نقاط التقاطع الكثيرة بين البرنامجين.


الدوبلكس سقف مرتفع ولكن!!

وبحثاً عن التنفيس السياسي في شارع يغلي بالأحداث رفعت الأبلة السقف واتسمت بسلاطة اللسان فلم ترحم من أسلوبها الفظ أحد من إعلاميين ومحللين حتى هوجمت من عدد كبير من المصريين واتهمت باتهامات العمالة والجنون والاصطياد في الماء العكر. وربما ذلك ما دفع الأبلة إلى الواجهة كالصوت المغرّد عكس التيار وسط عشرات البرامج المصرية التي بدأت تتماهى في ذات اللون وذات الخطاب.

وبما أن دوام الحال من المحال، فإذ بالأبلة لا تغيب بل تودّعنا في موسم لتستقبلنا عقب أسبوع بموسم جديد، حيث باتت الحلقات تدريجياً تسمّى بأسماء الضيوف الذين يحضرون في صالون الأبلة، فيخضعون لاستجواب مستفز لدى دمية أخرى اسمها “كارو”، قبل أن تستقبلهم الأبلة وتلطف الأجواء مع الضيف فتحاوره بأسلوب مليء بالإيحاءات والأسئلة المثيرة للضحك والدهشة.


فاهيتا بين الترفيه والانسياق

وفضلاً عن اللقاءات، قدّمت الأبلة نموذجاً جديداً للتقارير الترفيهية العائلية التي تستقبل من خلالها شرائح مختلفة من المجتمع كاستطلاع رأي تجادل فيه الفئة المنتقاة بموضوع عائلي كمشاكل الزواج ومسببات الطلاق والعنوسة والدروس الخصوصية والسياحة في الساحل الشمالي والانقسام على المباريات الرياضية. وبذلك ابتعدت الأبلة عن ملامسة الواقع المتأزم في الشارع المصري لتنتقل إلى مواضيع أقرب للترفيه كالتي تطرحها الدراما والسينما كنوع من التغاضي عن المشكلات الحقيقية في المجتمع المصري خصوصاً والعربي عموماً.

لربما يظن المشاهد أن برنامج الأبلة قائم على الترفيه فقط خاصة بعد تحوله إلى برنامج حوار فني، لكن النقطة الأبرز هي الانسياق وراء متابعة الأبلة دون ملاحظة الأثر الذي تتركه في التفاعل بين المشاهد وما يظنها “دمية” وكأن الجمهور من كثرة الحلقات التي باتت تقدمها الأبلة على الشاشة بمعدل حلقتين أسبوعياً باتت تراوده قناعة أن الأبلة هي دمية سليطة اللسان تتحدث بشكل عفوي دون أي توجيه.


فاهيتا أينما ذهبت تجدها!!

أما النقطة الأبرز كانت الظهور الاعلامي للأبلة خارج الدوبلكس فقد باتت الأبلة وجهاً إعلانياً في عدة فواصل تجارية وظهرت في لقاءات تلفزيونية كبرنامج “أنت أونلاين” على شاشة دبي والذي يناقش فيه الضيف صاحب الشهرة الواسعة عن نشاطه على السوشيال ميديا. حيث تحدثت الأبلة عن حضورها على مواقع التواصل والحسابات الرسمية التي تمتلكها وطريقة تعاطيها مع التعليقات فهي التي تمتلك مليون ونصف متابع على الانستغرام مع علامة التوثيق الزرقاء وأربعة ملايين ونصف إعجاب على الفايسبوك في حين تجاوز عدد متابعيها المليون على تويتر. ومؤخراً باتت الأبلة ضيفة تناقش في الأزياء والموضة فحلّت ضيفة على برنامج “PROJECTRUNWAY ME” وساعدت لجنة التحكيم في تقييم الفساتين التي صممها متسابقو البرنامج. وكأن الأبلة باتت بحكم النجمة التي علينا توقع ظهورها في أي محفل والاستفادة من رأيها في أي قضية بعيداً كل البعد عن السياسة!! فهل حقاً اعتزلت الأبلة السياسة؟!

وهنا لا يمكننا إنكار الدور الذي باتت تلعبه الأبلة إقليمياً فعلى مدار السنة الثالثة للتوالي زارت أبلة فاهيتا السجادة الحمراء في مهرجان دبي السينمائي وحقق فيديو لقائها مع الفنانين تفاعلاً كبيراً. فمن لا يعرف الأبلة؟ ومن لا يريد ودّها حتى لا تعلّق على مظهره أو حضوره بطريقة سلبية مستفزة؟! دون إغفال تسارع الكاميرات لالتقاط صور سيلفي مع الأبلة فهي الأكثر تميزاً على السجادة الحمراء.


فاهيتا لاعبة على الأوتار!!

أما في صالون الدوبلكس، فلا قوام فني للحوار الذي تجريه الأبلة بل مادة بصرية ترفيهية تتراوح بين الاستفزاز والايحاء. تستهدف النجوم الوسيمين وتستقطب الجميلات لزيادة المتابعة في نمط بات تدريجياً يدخل في المادة الاستهلاكية بعد أن تحولت الأبلة عن مسار برنامجها الأصلي نحو الأسئلة الجنسية المحرجة والإيحاءات الواضحة للعيان واللعب على الشكل الوسيم للنجوم وحالة الهيستريا الجنسية التي تعتري الأبلة. وإذا ما نظرنا إلى أساليب الإيحاء التي تقدمها الأبلة نجدها تنجح مرات في الحديث بطريقة لا يجرؤ إعلامي آخر على سؤالها للضيف وكأن التخفي خلف قناع الدمية يقلل من الحرج الذي يصيب المذيع عند السؤال والضيف عند الإجابة.

فلن نستطيع خارج الدوبلكس مشاهدة برنامج عربي يتضمن قبلة على الفم أو نجم يظهر في معطف الاستحمام، إلا أن فاهيتا بما تمتلكه من جرأة تستطيع اللعب على عدة أوتار وهذا ما بدا واضحاً في نوعية الضيوف التي تستقدمهم إلى صالونها ومنهم من كان على عداء مسبق معها، فلم يعد من مصلحة أحد معاداة فاهيتا بل ربمّا شكل برنامجها نافذة لإطلالة نجوم الصف الأول في مصر والوطن العربي في حوار غير تقليدي إذا كان ما نشاهده يصنف ضمن قالب الحوار.


هي من قبل ذلك؟!

وسط ذلك التنوع كله من حوارات الأبلة إلى تقديمها برنامج مختلف والتنقل في البلدان العربية كضيف ومؤثر، تكثر التساؤلات التي قد تغيب عن الذهن أثناء متابعة الدوبلكس وتحتاج من يوقظها: ماذا يقبع خلف تلك الدمية؟! وإلى أين تريد أن تصل؟! هل من الممكن أن نصل إلى يوم تعتزل فيه الأبلة الظهور الإعلامي كما فعلت الإعلامية العالمية أوبرا وينفري؟ أو هل قد يصدر قرار قضائي بمنع الأبلة من الاستمرار في برنامجها وإغلاق الدوبلكس الذي تطل منه بالشمع الأحمر؟! من المؤكد أن الشارع العربي بعد التحولات التي شهدها مع اندلاع الاحتجاجات لم يعد مشاهداً سلبياً يتلقّى المادة الإعلامية دون محاكمة. وهذا ما تثبته برامج اليوتيوب باتخاذها منصة إلكترونية فسحة للتعبير دون حدود الرقابة التلفزيونية.

إلا أن فاهيتا المصرة بتقديم برنامجها عبر شاشة التلفزيون يصعب وصف تجربتها بالمستقلة خاصة أنها تطل على نفس الشاشة التي منحت باسم يوسف سابقاً فرصة تقديم البرنامج خلال فترة المرحلة الانتقالية وحكم مرسي في مصر. فمهما ابتعد طرح فاهيتا عن يوسف فهما يجتمعان في تصدر الواجهة الإعلامية في مرحلة ما من تاريخ مصر. وهذا ما ينسجم مع تغير تعاطي البرامج المسائية في القنوات المصرية وإخفاق عدد كبير من الإعلاميين في كسب ثقة الجمهور نظراً لتحول هواهم حسب تبدل المناخ السياسي في مصر وبشكل مكشوف للغاية!!


لكن قبل هذه الأسئلة.. مهلاً .. هل نحن حقاً نصدّق الأبلة وهي دمية!! إذا كنّا في زمن يصعب فيه تصديق البشر ولا سيما من يزعمّون أنفسهم على حياتنا ويقودون رأينا مدركين كنا ذلك أم جاهلين، فماذا عن دمية لا نعرف عن الذي يقف خلفها سوى نبرة صوته ليس أكثر!! فإذا ما أرادت كتاب التاريخ في المستقبل توثيق الأسماء البارزة في هذه المرحلة فماذا عليها أن تكتب: دمية هاربة من مسرح العرائس صعدت على مسرح أمام مئات المتفرجين وملايين المشاهدين وباتت كلماتها وطريقة سخريتها من الواقع على كل لسان. أما عن سيرتها الذاتية فلا نعرف سوى اسمها: أبلة فاهيتا!!