وَلَا “كأنو مسرح” !!

 

إيماناً بريادة المسرح كما يظّن النقاد تقام العروض، إلاّ أن الواقع يفرض نفسه ومشهد التدافع على الشباك اليتيم لمسرح الحمراء يدفع الناظر للتساؤل: هل حقاً كل من حضر شغوف لمتابعة أداء حي على الخشبة أم هو بحث عن شيء ما يزال مفقوداً؟ ولكن سرعان ما يأتيك الجواب عنه حين تسأل عن اسم المسرحية: وكأنو مسرح!!

فريق Etsyria حضر العرض الجماهيري الأول للمسرحية وكان التقرير التالي:

إعداد: أنس فرج/ جوان ملا/ محمود المرعي

تصوير: معاذ طبلية


كأنو مسرح

عرض مسرحي على خشبة الحمراء

تأليف: لوتس مسعود

إخراج: غسان مسعود

بطولة: ديمة قندلفت- محمود نصر- نظلي الرواس- لجين اسماعيل- روبين عيسى- أيمن عبد السلام- مصطفى المصطفى- راما العيسى – غسان عزب.

ثلاث ساعات من التدافع والانتظار كانت عنوان المشهد ودخول خاطف لنجوم العمل بعضهم بحالة تخفي، تقابلها عشرون دقيقة من الترقب لتبوح الخشبة ويصرخ من عليها فنجوم كثر غابوا عن المسرح وها هم يعودون إلى المنصة التي أطلقتهم. فما الدافع وراء العودة؟ وماذا يدور في أذهانهم خلف الستارة الحمراء؟!


نظلي الرواس: قلبي دق من اللحظة الأولى

النجمة نظلي الرواس حمّلها الازدحام الكبير مسؤولية أكبر تجاه الجمهور بحسب ما قالت و عبّرت نظلي عن سعادتها بالعودة للمسرح بعد أن قدمت عرضاً مسرحياً واحداً في حياتها منذ اثني عشر عاماً نتيجة انشغالها تلفزيونياً واجتماعياً.

وعن السبب الكامن الذي حفّزها للمشاركة في “كأنو مسرح” قالت: إنها مجرد ما سمعت بكلمة “مسرح” فإن قلبها دقّ بسرعة وتحفّزت للمشاركة في العرض دون أن يكون لديها شروط معينة للعرض المسرحي، كونها تعتبر المسرح مختلفاً عن الدراما التلفزيونية بما يحمله من روح وطاقة.

الرواس أشادت بتجربة النص الأول للوتس مسعود ليست فقط لأنها ابنة الفنان العالمي غسان مسعود. بل لأن نظلي كانت تراها طفلة تأتي مع أبيها إلى المعهد وكبرت أمام أعينهم حينما كانوا طلاباً فهي مستعدة لدعمها وتشجيعها.

شهر ونصف من البروفات منح نظلي الفرصة لاستذكار أشياء قديمة كتفاصيل الشخصية وتفاصيل الحس المسرحي. في حين لم تحدد درامياً بعد مشاركتها في التلفزيون في الموسم القادم إنما تقرأ حالياً نص عمل لبناني.


لجين اسماعيل: الكيف لا الكم

لجين اسماعيل وفي حوار لطيف بعد أداء ملفت على الخشبة تحدث عن الدور معتبراً أنه يحمل إضافة ضمن سياق تراكمي لعمل فني. خصوصاً في تعامل لجين مع المخرج غسان مسعود الذي استطاع إضافة ملحوظات لم يكن ليعرفها كما قال لجين. ما حوّل العمل إلى بناء اقتراحات وأفكار كثيرة للمَشاهد حتى وصل الجميع للصيغة الأخيرة من العرض وكل هذا في المحصّلة يمنح تطوراً للفنان برأي لجين.

فبعد ظهوره مطلع العام في عرض “اختطاف” جاء ختام العام مع “كأنو مسرح” وسط اقتناع المخرجين بأداء لجين كما أن عودة نجوم للعمل المسرحي شجعته على صعود الخشبة بشكل مستمر على حد قوله. فالمسرح بحسب بطل “رد القضاء” يخضع للحرية في البروفات والتعامل رغم ضرورة الالتزام فيه. بعكس الدراما التلفزيونية الباهتة الملامح فضلاً عن انخفاض مستوى الانجذاب لدى الجمهور نحو التلفزيون في هذه الفترة.

معاناة لجين قبل سنوات في دخول المعهد العالي للفنون المسرحية علّمته رفع روح المنافسة والعمل أكثر حتى يستطيع البروز بشكل أكبر ، فالبحث عن الكيف يعينه أكثر من الكَم.وبهذا ختم  لجين حديثه: “فالخطوة النظيفة الواحدة أفضل بكثير من عشر خطوات فاشلة”


لوتس مسعود: تجربة أولى ودافع

المغامِرة الأكبر في العرض لوتس مسعود وجدت في غياب والدها عن المسرح لمدة طويلة مسؤولية كبيرة جداً لأنه في حال رجع إلى الإخراج المسرحي يجب عليه تقديم عمل ذو قيمة لذلك كانت تنصت لملاحظاته وتستمع لها وتتناقش معه طويلاً.

ستة أشهر كانت مدة الكتابة مع مشاورات مع الفنان غسان مسعود لتعديل بعض الكلمات وإلغاء أخرى كونها لا تتناسب مع المسرح دون تدخل منه في إعادة صياغة الحوارات، في رسالةٍ تهدف إلى ضرورة تعايش السوريين مع بعضهم وإلغاء أحقادهم، فالتعنّت في الرأي سيودي إلى انهيار أكبر في المجتمع ولن يكون نهاية هذا الخلاف هو سلام حقيقي.

“الكتابة عمل فني متفرد وليس تشاركي لذا هو أقل أذية من مجال آخر” نصيحة الغسان لابنته وشغفها في متابعة عروض المعهد دفعاها للوقوف على بوابة المجال الفني فهي منفتحة أمام الخيارات باحثة عن فرصة لإنتاج نص تلفزيوني قد كتبته.


ديمة قندلفت تمثل وتغني معاً

بطلة العمل النجمة ديمة قندلفت تراهن  في العرض على دعوة النجم غسان مسعود لها فالتجربة بنظرها مغرية وغنية ومضمونة النتائج. من خلال شخصية ليلى التي تظهر بمستويين تلعب عليهما فهي موجودة على مسرحين . كما أن الشخصية مريضة تعاني كما يعاني البلد الذي يرمي ناسها أوساخهم فيها، والشخصية في النهاية تموت وهي جالسة إلا أن هناك أحداً سيكمل المشوار عوضاً عنها.ديمة التي غنت ضمن العرض عدة مرات صرحت أن الموضوع ليس خيارياً إلا في طريقة الأداء، بينما النص احتوى ضمناً على الأغاني التي قدمتها “فالدور قد اختارني ولستُ أنا من فصّلتُه عليّ” كما قالت.

وعن طموحها في الاستعراض قالت: “إن الفنان هو متلقي للعروض وليس صانعاً للعروض إنما مهمتي أن أحافظ على لياقتي وصوتي، ففي حال جاءت هذه الفرصة يجب أن أكون جاهزة لها وأنا مستعدة منذ عشر سنوات”. أما ما يعانيه المسرح السوري معروف بنظر ديمة سواءً من السوء في الأجور حتى عِتق الأماكن، إذن ليس هناك شيء مغري سوى أن توصل فكرتك وتقول ما تريده على الخشبة.


روبين عيسى: حضور مسرحي متجدد

تظهر روبين في المسرحية بشخصية سلمى العصابية المتوترة بما تحمله من شك وهاجس دائم تجاه زوجها الخائن لكنها لا تستطيع تركه بسبب وجود أطفال، فتختلط حياتها الشخصية بمشاهد المسرحية التي تقوم هي وزوجها بلعب دور بطولة فيها.

الحرص على التواجد في عرض جماعي مع الأستاذ غسان مسعود دفع روبين للقبول في العرض فقد أحبتْ شخصية سلمى كثيراً والانفجارات التي تفعلها، كما أن تناغم فريق العمل وعمله معاً عززا ثقتها بالنتيجة. مع حرصها على تمثيل سوريا في أي مهرجان عربي تشارك فيه عبر أعمال فنية تغيّر الصورة المأخوذة عن الواقع على الأرض.


 “كأنو مسرح” نموذجاً أقرب للحقيقة أم توهان في الدائرة ذاتها؟!

يبدو أن زخم النجوم المشاركين في العرض لعب دوره في الترويج للمسرحية قبل عرضها، وهذه الحالة قد غابت عن المسرح السوري لسنوات طوال. فنجوم الصف الأول غائبون وإن حضروا فقد يختاروا الإخراج طريقاً بدل التمثيل. ووسط غياب شبه تام لتبلور رؤية مسرحية سواء على صعيد النصوص المنشورة أو العروض المقدمة لعكس الواقع بإسقاطاته المعقدة على الخشبة المستطيلة، تظل مسرحية كأنو مسرح تجربة بروح الشباب وتساؤلاتهم بين ماهية المسرح الذي يعيشون عليه والمسرح الذي يتابعون عليه العرض. فمن هو البطل ومن المتفرج لم يعد يهّم طالما حالة اليقين غائبة والاستعارة المكانية للمسرح متعددة الخيارات في بلد قدّم الماغوط فيه مسرحاً سياسياً بغاية النضوج قبل عقود من الحرب، مسرح يصلح لكل زمان ومكان طالما خلا من صيغة التشبيه القاتلة لليقين.