| بقلم: أحمد سلمان |
“تحية إلى انغمار بيرغمان و انطونيو سينما لا تموت …” مع هذه الكلمات انتهى الفيلم الرمزي لـ”جود سعيد ” “وداعاً”.
قصيدة سينمائية حرة تبنّت لغة الصورة الصامتة و الإيحائية في أغلب حكاية الفيلم المتناثرة بين الحاضر و الذكريات العالقة التي نراها في صور سينمائية منتظمة بشكل فوضوي، تأخذنا بمتاهة إلى نهايةٍ لم نكن ننتظرها لأن الفيلم غير مبني على الحدث وإنما على السرد المحمّل بالإشارات و المشاهد الأشبه باللوحات السريالية و قد استعار جود بعض المشاهد من الفيلم السويدي العظيم “بيرسونا أو الصمت /1966″ الذي يُعد من أهم الأفلام الفلسفية المفتوحة على التساؤلات و التكهّن للمخرج السويدي ” إنغمار بيرغمان” ولا يخفي فيلم “وداعاً” أسلوب بيرغمان بالخلط بين الخيال و الواقع و استثارة الأسئلة. في “وداعاً” شابان من بيئتَين ريفيتَين مختلفتَين تجمعهما صداقة توحي أنها صداقة عتيقة، يأخذ الشاب صديقه إلى المدينة ليعرّفه على السينما التي يصفها بقوله “السينما هيك متل الرقص ما بتعرف شو بصير معك كأنك رجعت طفل صغير وعايش بدني غير هالدنيا كلها، شغلة متل السحر” يدخلان إلى صالة السينما المكتظة بالناس المختلفين عن بيئتهم، يشعر الشاب الجديد المكتشِف لهذا العالم المغلَق بأنه وَجد ما يشبهه واستشعر لغةً تحاكي روحه تدعى “السينما”، يتأمل البوستر الخاص الموضوع لأفلام قيد العرض، يتوقف عند بوستر “بيرسونا” المكون من امرأتَين في حالة تلاحم غامض يلامس الصورة وكأنه يكتشفهما أو يفك شيفراتهما لمداعبة طلاسمهما.
بعدها يدخل الشابان صالة العرض و يبدأ العرض بمشاهد متلاحقة وسريعة مأخوذة من المقدمة الاستهلالية الشهيرة لفيلم “بيرسونا”، تلك المشاهد الرمزية من المشغّل الضوئي والعقرب الصغير و بح للشاة والرجل الذي يصلب يده بالمسمار والعجوز التي تبدو كأنها في ثلاجة الموتى تستيقظ فجأة على رنين هاتف بعيد، والطفل القلق الذي لا يستطيع النوم يبدأ باختلاق وجهَين لامرأتَين على شاشة عرض بيضاء. نرى الشاب قد تماهى مع الفيلم وأيقظ شيئاً ما يختلج أعماقه، يتلاشى الحضور الذي حوله إلى سواد وكأن فيلمه الشخصي قد بدأ.
نتحرر من مشاهد الفيلم على الشاشة لنذهب بكاميرا “وداعا” مع ماضي أو مستقبل ذلك الشاب الذي يرينا صوراً من حياته على شريط سينمائي هو يصنعه. تنتقل الرمزية هنا من مكان إلى آخر، فيبدو الفيلم مثل الكثير من الأفلام الغامضة لايريد مساعدتنا لفهم وربط الأفكار لنعلم ما يحدث. نرى الشاب مع ذلك الصديق الذي عرّفه على السينما في حياة العسكرة، وقد تعرض للإصابة ونراه أيضاً يريد أن يهمس شيئاً لفتاة نائمة في البحيرة وكأنها في كفن، يبحث عنها ولا يريد إيجادها وحالة من الكآبة والقلق تسيطر على صور حياته. ترافقنا البومة منذ بداية الفيلم كرمز للتناقض و الليل الذي يعكس الآلام على شخصيات الفيلم.
ينتهي الفيلم بعودة الشاب وقد مر زمناً طويلاً إلى نفس صالة السينما، ينظر إلى بوستر الصمت الذي اهترأ ويجلس في القاعة الخالية تماماً من المتفرجين إلا من صديقه الذي عرّفه على السينما يجلس بجانبه وتعود مشاهد فيلم “بيرسونا” كدلالة لوفاء جمهور السينما الحقيقي وبقاء هذا الفن على قيد الحياة رغم مرور الزمن فهي السينما التي لم ولن تموت.
في أفلام “جود سعيد ” الروائية الطويلة يبتعد المخرج عن المنحى السريالي الذي أغدق به فيلمه القصير و الذي كان فيلماً تجريبياً و عرضاً لقدراته الفنية في تكوين الصورة السينمائية التي شجعت المؤسسة العامة للسينما على إنتاج أفلامه وبالاشتراك مع شركات خاصة.