حكايات “المشاهير” في الدراما السورية
أغسطس 2, 2017
لماذا كل هذا الشغف نحو الريماوي؟!
أغسطس 3, 2017

هل جفّ حبر مشهدي بعد “قلم حمرة” ؟!

 

 

كاتبة استثنائية هذا أقل ما يمكن وصفه عنها، يم مشهدي القادمة من مجال الصحافة نحو الدراما ما زالت تثير رغم مرور عقد على عملها الأول الجدل حول قيمة النصوص الدرامية التي تقدمها من ناحية البناء الدرامي أو لغة السرد المستخدمة. في أعمال يم سنلاحظ الاختلاف أو “الصدمة” من الوهلة الأولى وكأننا نحضر أنفسنا منذ البداية لعمل مختلف لا مقاييس ضابطة فيه أو لا توقع يمكنك من التنبؤ عما ستحمله الحلقات القادمة. وبعد عامين على الغياب نبحث في بعض ملامح نصوص يم ولا سيما الأخير “قلم حمرة”.
فمنذ مسلسل “وشاء الهوى” أرادت “مشهدي” لفتَ فكر المشاهد إلى قوة الكلمة وإعطاء الحوار بطولة مستقلةً ومنفصلة توازي قوة الممثل. ولم يكن من السهل تقديم نص مخالف لقواعد القصة الكلاسيكية والإصرار على تقديم سيناريو يعتمد على السرد وليس على الحبكة بعيداً عن الإدهاش في الحدث.
فقد حققت “يم” معادلة بسيطة معقدة في آنٍ واحد عبر عمل “تخت شرقي” ونجحت بإغراقه بالسرد العميق والمشاهد الطويلة مع قصص تجذب المشاهد.
وبذلك نجد في أعمال” يم “رصدٌ للوقت الضائع والمتلاشي من حيوات شخصياتها. فهي اعتبرت أن هناك جزءٌ كبير من وقتنا نقضيه بالحديث والاسترسال عن أي موضوع كان وليس بالضرورة نسج حكايات لأشياء مفصلية. قد يحدث معنا حدث مفصلي واحد كل سنة، قد يغير أو يحقق منعطفاً جديداً في حياتنا العملية. لذا نرى مسارح مشاهد يم أغلبها في مطبخ أو ضمن جلسة لعبة ورق أو في حديقة عامة وربما في حانة للشرب. وأحياناً سيراً في الطريق أو داخل زنزانة تحت الأرض. وهنا اتبعت يم أسلوباً وتكنيكاً ليس بجديد بالنسبة للأفلام الغربية الاجتماعية وخصوصاً الفلسفية منها. فالسينما العالمية تنضح بالأعمال القائمة على الروي السردي والحبكات الثانوية، ولكن المراهنة كانت صعبة لإقناع شركة إنتاج عربية بتبني عمل يصعب تسويقه جماهيرياً. وذلك بسبب غياب أسلوب التشويق والإثارة وبهذا اعتُبرت أعمال “مشهدي” نخبوية إلى حدٍّ ما، وقد ساعد ذلك على المحافظة على القيمة الفنية للنص الذي تدهور لدى الكثيرين في السنوات الأخيرة نتيجة تفضيل المنتج التوزيع والربح على أي مفردة إبداعية حقيقية تعارض بيعه أو تخفف من كسبه للمال.
لكن في ظل السطحية والتلوث الدرامي أخرجت يم قلمها ولوّنت درامانا بـ”قلم حمرة” أنيق الطلعة مما جعلنا نتساءل إن كانت يم قد أخرجت ذروة إبداعها مبكراً في عملها الرابع أم ماذا؟ وهل تعي أن ما كتبته كان “ملحمة تلفزيونية” من النوع الثقيل؟ وهل هي قادرة على تصدير أفكار بتلك الروعة مجدداً؟!
المحور الذي يدور حوله العمل هو الحراك السوري في مطلعه ولاسيما في النخبة المثقفة وما تلاه من أحداث غيّبت الأمان في دمشق “بيئة العمل”، فقصص الشخصيات تدور بزمن ما قبل الحرب وتتناوب المشاهد بين ورد “سلافة معمار” السجينة في المعتقل وتيم “عابد فهد” وبسام “أحمد الأحمد” المخطوفين من قبل الجماعات الإرهابية في زمن الحرب ، ليتوحدَ الزمن في آخر الحلقات بخروجهم. جميعاً. كما تتبنى” يم” هذه المرة في حكايتها الطبقة الفنية عموماً وتُلقي الضوء على مشاكلهم والمطبات التي تعترض طموحهم فنرى حازم “رامي حنا وورد بأدوار كتّاب سيناريست معروفين ونتعرف على أسلوب تسويقهم لأعمالهم حتى لو بشكلٍ مُلتَوٍ. كما تطالعنا أحلام مجموعة من الشباب يدرسون في المعهد العالي للفنون المسرحية حيث حاكى قلم “مشهدي” أعماقهم وهواجسهم المتناقضة، وأيضاً نلامس حياة تيم الطبيب النفسي الذي يعيش حالةً من الشعور بالتقصير تجاه ابنته وصعوبة اتخاذه لقرارٍ في حبٍّ يجتاح حياته.
ويشارك في العمل العديد من النجوم الذين أجادوا اللهاث خلف شخصياتهم حيث تنتقل الكاركترات بين الحيرة والسوداوية والمزاجية العالية وكوميديا الموقف الهادئة، وترافقنا “ورد” بجملها الإنشائية العفوية في كل حلقة كعنوان محوري لمضمون الحلقة وهذا ربما ما حقق انتشاراً واسعاً على الفايسبوك لجمل ذكرتها ورد أو مقاطع من أحاديثها السردية. بالإضافة أنه ولأول مرة تم تناول قضية المثلية الجنسية بأسلوب عميق وحضاري فمرت شخصية “نورس” بهدوء واتزان لتقارب نظرة جديدة للموضوع تجاه المثليين المتواجدين بكثرة ضمن أي مجتمع ولكن بالخفاء، وقد أدى الشخصية الممثل “مصطفى سعد الدين” بشكل لائق ومتميز وعبّر عن المعاناة والأرق الذي يعانيه مثليو الجنس من غير أن يعطي تلك النظرة الساذجة والسطحية التي روّجت لها بعض الأعمال الفنية المختلفة عن الأقليات الجنسية.
أداء جريء قدمته الفنانة كاريس بشار عبر تقديمها لشخصية المرأة التي توفي زوجها بعد زواج مدني تحدت فيه المجتمع والعادات، فأظهرت كاريس انفعالات المرأة في سن اليأس بما تعيشه من تحولات جذرية بين حياتها الشخصية وأبناءها الذين خرجوا عن السيطرة.
كما لم يتهاون المخرج “حاتم علي” كعادته في تصميم لغة بصرية مختلفة تناسب مناخ النص وترفع من قيمة الحوار لينتهي العمل كما أخبرتنا ورد في أول حلقة:
“إذا كنت ناوي تتابع المسلسل مشان تعرف شو بدو يصير بالأخير، فرح خبرك من هلئ أنو بآخر حلقة من المسلسل رح يكون الكل مبسوط، فجأة رح تعرف كل الشخصيات شو بدّا، ورح تحس بكتير من الرضا، وكمان فجأة رح تروح كل الهموم، وح يتجوزوا اللي كانوا حابين بعض ويلي متجوزين وكرهانين عيشتن رح يحبوها لعيشتن، بعد ما يكتشفو إكسير السعادة “
ووسط شخصيات حفرت بثلاثين حلقة أرهقت المشاهدين في متابعتها على الانترنت، لكنها أثرّت رغم اختلاف مساحات مشاهدها. فماذا قد يكون العمل القادم لـ “يم مشهدي “وهل قدمت ذروة إبداعها باكراً وبعدها ستُرفَع الأقلام لتجفَّ السيناريوهات؟ أم أنّ يم نالت من اسمها نصيب؟

أعمال يم الدرامية

وشاء الهوى 2006
يوم ممطر آخر 2008
تخت شرقي 2010
قلم حمرة 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *