نورمان «أَسعَدَت».. أدّت.. ثم غابت.. فهل تعود؟
أغسطس 26, 2020
مروان صواف الرجل الذي مات .. ثم بُعِثَ من جديد
سبتمبر 5, 2020

ياسر العظمة .. الرجل الذي يعرف كل شيء ماذا يعرف عن 2020؟

بقلم شارل عبد العزيز

واحد من أجمل أفلام جيمس ستيوارت كان “The man who knew too much” الذي قدّم فيه شخصية الدكتور بينجامين بين عام 1956.

أمّا بالعام 1997 قدّم الأسطورة ياسر العظمة لوحة بمراياه حملت نفس العنوان وكانت “الرجل الذي يعرف كل شيء”، وهو عاشق الأسفار وخبير اللؤلؤ “عوني الناكش” الذي نكش عقد اللؤلؤ الحقيقي لمرح جبر آنذاك.

لم يقتصر هذا العنوان على مجرد لوحة تلفزيونية، بل التصق بهذا النجم المعجون بمئة شخصية وشخصية، والذي يتلوّن مع كل لوحة يقدمها بكاركتر ولهجة ونظرة وكأنه يتقمص بين كل مشهد ومشهد لا بين كل جيلٍ وجيل، وعلى امتداد مواسم أطول سلسلة تلفزيونية عربية استطاع بكل جدارة أن يكون الرجل الذي يعرف كل شيء، فكيف ذلك؟

أولاً: في عصر النمطية التلفزيونية، ابتدع نظاماً درامياً حديثاً عن طريق لوحات متفرقة على الشاشة الصغيرة والجديدة حينها تتحدث عن المجتمع والدين والفكر والسياسة والتربية في آن، بتأليف وكتابة أغاني وتلحين وتمثيل.

ثانياً: استفاد من تجارب عالمية مما سمع وقرأ وشاهد ومن الأدب العالمي لتشيخوف وعزيز نيسن وبرناردشو وغيرهم، دون أن ينسلخ عن طبيعة مجتمعه، أخد منهم المادة الخام وألبسها بروكاراً دمشقياً روى حال الناس ونقل بقلمه ولسانه كل ما يجول في يومياتهم، وياسر بأصغريه .. قلبه ولسانه.

ثالثاً: لا تغريكم اللحى والصور، فثلاثة أرباع من ترون هم خريجو مدرسة هذا الرجل، من عابد فهد لتوفيق العشا ثم هاني شاهين وسيف السبيعي فمرح جبر وليلى سمور وبشار اسماعيل ومحمد قنوع وعارف الطويل وعاصم حواط وجهاد عبدو، إلى فادي صبيح ومحمد حداقي وباسل خياط وصفاء رقماني وصفاء سلطان وكاريس بشار ومكسيم خليل وسوسن أرشيد وروعة ياسين ودينا هارون وليليا الأطرش ومانيا نبواني، إلى هلا يماني وأنجيلا زهراء ورهف شقير وإلى أخر هذه القائمة الزاخرة بأسماء هم نجوم الصف الأول اليوم، وبدأوا معه في مشهد ومشهدين!

رابعاً: أعطى فرص من ذهب لمخرجين في بداية طريقهم أصبحوا لاحقاً نجوماً كهشام شربتجي ومأمون البني وحاتم علي وسامر برقاوي وسيف السبيعي وغيرهم، ولكن بقي المشروع ممهوراً باسم العظمة فلم تطغَ الهوية الإخراجية للمخرج على بنية العمل، بل حافظ العظمة على إدارته للمشروع بحيث امتد لثلاثة عقود دون أن يفقد المسلسل جماهيريته وحضوره الرمضاني.

خامساً: شكّل خطوطاً فنية لعدد كبير من الأعمال كبقعة ضوء وعربيات وغيرها، وصنع ثنائيات لا تموت ولوحات لا تنسى، فمن ينسى لوحة مطلقة وأرملة وحردانة بلغة السجع الصعبة، أو لوحة السفاح والرهان وشاكازولو ونص زلمة وغيرها.

سادساً: تجاوز إبداعه خطوط الخارطة السورية ليصل إلى كل بيت عربي، ساهم بانتشار الدراما واللهجة السورية، صنع لهجة خاصة به مزيجة ما بين اللهجة البدوية واللهجة الحورانية، هي لهجة أبو مزعل، وذلك كله دون لقاء إعلامي واحد سوى لقاء قديم مع المحاور السوري مروان صواف، لا تكريم، لا تبجح، لا تنظير، ولا استعلاء، عشقه العرب بكل بلادهم من مصر فتطوان،ِ فلسان ياسر جمعنا، بمرايا .. عرفها القاصي والداني.

وسابعاً وثامناً وتاسعاً وهكذا حتى الثالث عشر من عام الألفين، العام الذي قفل فيه سلسلة مرايا وقرر أن يطفئ ثلاثين عاماً من العمل التلفزيوني ويبتعد كصالح الذي فلت شرواله، فقرر الذهاب إلى مكان بعيد لا يُفلت فيه شروالاً للفن نائياً بنفسه عن أي استقطاب سياسي كان، وبعد غياب فترة طويلة سمعنا فيها عاماً بعد عام أن مرايا عائد لا محالة، رغم اختلاف الحالة الدرامية التي كان فيها والحاجة لأسماء جديدة قد لا يعلم بها الأستاذ بعد غيابه، أو قد لا يعلم شروط شركات الإنتاج الجديدة التي تفصّل أبطالاً على قياس أمزجتهم.

عاد العظمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليطل من نافذته الصغيرة على جمهوره ليعرف إن كان الحال أفضل، ولكن يبدو أنه كصالح الذي عاد لقريته ووجدها على حالها منذ أن فلت شرواله فقرر أن يلقّن أهل القرية درساً من خلال برنامج عبر اليوتيوب استهله بقصيدة “إن رضيت دمشق”، منتقداً ما آلت إليه البلاد مؤخراً، معتمداً التلميح لا التصريح بمن صنعوا أموالاً وشربوا نبيذاً والشعب يشربوا العلقم.

لا نعرف بعد كل هذه السنين إن بقي الرجل الذي يعرف كل شيء أم لا، هل باعتقادكم يعرف كيف يختصنا بجديده الدهر يوماً بعد يوم؟، هل يعرف كيف أن الإعلام محكوم بصفحة واحدة لا تُثنّى ولا تُثلّث إلا من رحم ربي كمن حمل يراعه وهجر؟، هل يعرف كيف يتطاولون علينا وليس طولهم شبراً بل أنملة لا ترتفع فوق سطح البحر ووزنهم كبالون الهيليوم؟، ترى هل يعرف صاحب مسرحية شيخ المنافقين أن المنافقين كلهم أضحوا شيوخاً؟، هل يعرف أن الشرذمة في النصوص ماهي إلا شرذمة في الواقع وشرذمة للشعب، هل يعرف أن المرايا تكسّرت في غيابه وبتنا نشاهد أنفسنا على صفحات الحوادث قبل أن نخرج من بيوتنا.

إن لم تكن تعرف كل هذا يا سيدي ولا تجد سبيلاً لإصلاح مرايانا فلا تعد بمراياك وتطرحها قدّام بعض
خنازير الإنتاج والمشاهدة، لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقك!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *