شكلين ما بحكي ومنتهيّة وجهان لعملة واحدة
يناير 2, 2021
سلافة معمار.. الدهب «التشريفة»
يناير 17, 2021

«غاب وما زال بيننا» قراءة في الدراما السورية عقب رحيل حاتم علي

بقلم: أنس فرج

عرفنا حاتم مخرجا للدراما السورية، صانعاً لنجاحاتها ومؤسساً لتواجدها عربياً على خارطة المنافسة، دون أن نمعن في تفاصيل شخصية ذلك الرجل الساحر الواقف خلف الكاميرا، ولكن كما للحضور وقع فاعل للغياب أثر كبير خاصةً أن حاتم لم يتخلَ حتى آخر أيام حياته عن المشروع الدرامي السوري وحاول صناعته ولو في بيئات ودول غير بيئته الأصلية.
ولكن ماذا عن المشهد الدرامي السوري اليوم بعد رحيل حاتم علي عن خارطة الإنتاج الفني في لحظة مفصلية من تاريخ الصناعة الدرامية السورية.

لا.. نحن لسنا بخير

رغم شعارات التعافي التي يحاول بعض المنتجون طرحها، والروح الإيجابية لعودة بعض الشركات العربية للعمل داخل سوريا، إلا أنّ قوة المنتج السوري في فرض شروط عمله شبه معدومة، فدمشق حتى اليوم دون مدينة إنتاج إعلامي، وقطاع الدراما لا يوجد له جدار حامي يحمي الأعمال من الوقوع في نطاق التأجيل أو البيع المجحف، وسوق العرض والطلب متعلق بمزاج القنوات الفضائية التي باتت المنصات في أوج اهتماماتها وهو ما يقلل أكثر من فرصة حضور المسلسل الكلاسيكي على مائدة المنافسة خلال الموسم الرمضاني.

ورغم أنّ المشهد المرتبك ليس بجديد إلا أن علي لم يمل من المحاولة بتقديم أعمال درامية قابلة للتسويق وتحقيق شروط فنية متوازنة قدر الإمكان على صعيد النصوص التي اختارها في العقد الأخير والقنوات التي عرضت الأعمال.

الحكايات مغتربة

ما امتلكه حاتم من ميزة صناعة مسلسل سوري الهوية بعيداً عن الأيدولوجيا مكّنه من إكساب القصص واقعية ساحرة، فالعمل سوري حتى لو لم يصور بسوريا، وهو للسوريين جميعاً لا يتبع لرؤية تحدد الجمهور ولا يقتصر على طيف واحد من الممثلين، وهي معادلة استطاع تحقيقها في أصعب سنوات الصراع داخل سوريا بجمع النجوم على اختلاف آرائهم السياسية في مسلسلات انطلقت من الواقع وعادت إليه وتطرقت للقضايا الرئيسية من بوابة الدراما دون إسقاط فج مباشر، فكان الصراع على السلطة في “أوركيديا” وارتدادات الحراك على الطبقة المثقفة في “قلم حمرة” وحروب حيتان الاقتصاد في “العراب”.

الثبات ضائع

من يتابع أعمال حاتم علي يدرك جيداً أن علي تمسّك بمشروعه وحافظ على ثباته رغم اختلاف السنين وظروف الإنتاج وتعقد الصنعة الدرامية وتبدلها بشكل جذري بين قبل ربع عقد وبين الآن، ليتحول اسم علي من مخرج للمسلسل يذكر في آخر الشارة إلى بوابة لمدرسة تخرّج كل من دخل منها نجماً، فشكلّت أدوار الشبان تحت يديه فرصة للمعان ولو كان الدور لمشاهد معدودة فقط، فمسلسلات حاتم تهادن الجميع وتحفظ حقوق كافة الممثلين وهذا ما هو ضائع اليوم في الأعمال الأخرى، إذ يجري التركيز على البطل وتهمل باقي الخطوط الثانوية وتصبح فرصة اللمعان لدى الممثل الجديد أقل وتعتمد على عناصر أخرى كالحظ أو الدور الفاقع بالشكل أو المضمون على عكس حاتم الذي قدّم النجوم الشباب بطبيعتهم، بكامل طاقاتهم وبإيمانهم بثقة العراب بهم.

الخصوصية مفقودة

لا يمكن تذكر مسلسلات حاتم دون تذكر جغرافيا المكان حيث دارت كاميرته في المنزل وثبتت الأعين على هوية المكان، فأخرجته من نطاقه الجامد إلى كتلة مكانية تنبض بالحياة، وهذه الخصوصية دمجت بين تصور المكان على ورق السيناريو وبراعة حاتم في توضيب العناصر البشرية والفنية في إطار إخراجي مدهش، فكيف إذا حفَلت الحكايات بخصوصية المجتمع السوري وطبيعة مشاكله وتحولاته الاجتماعية في العاطفة والتشدد والانفتاح والحريات، هنا لا بد لحاتم الحضور ليقرأ الحوار جيداً ويشرح القضية جيداً متكئاً على أقرب طريقة واقعية لتقديمها دون فجاجة أو استغباء للمشاهد، فأين سنشاهد هذه الخصوصية اليوم ونحن نشهد انهياراً للبنة الأساسية وتصّدع في هيكل الدراما مع غياب النص الاجتماعي المتصالح مع الواقع بتناقضاته وتعقيداته.

حاتم للجميع.. والجميع لمن

على الرغم من حالة الدهشة التي رافقت رحيله، واستغلال البعض لحالة الفقد للظهور إعلامياً، إلا أنّه لا يمكن إنكار وصول حاتم للجميع وعدم الانقسام على أعماله ليثبت أن الأساس الصحيح والمتراكم سيحافظ على ثباته وجماهيريته، فالجمهور قرأ حاتم عبر روائعه الإخراجية وأحبوه كما أحبو “كريم ونبيلة” و “رياض ورياض” و “أمجد وعزة”، هابوه كما هابوا “أبو عليا” وحزنوا عليه كما حزنوا على “ورد” وقرأوا في عزائه رحيل كبار التاريخ الذي أخرج سير حياتهم إلى الدراما كشرائط درامية توثيقية مفعمة بالحياة.

ماذا ينتظرنا

كل ما سبق هو قراءة ذاتية لما قدّم حاتم من أثر عاطفي على الصعيد الفردي والاجتماعي، وليس مقاربة نقدية بقدر ما هي رسالة أمل وترقب للذين دربهم وتعلموا وصنعوا نجوميتهم بين يدي حاتم علّهم يقرأون الصورة جيداً ويصححون المسار للحفاظ على ألق حاتم بيننا واحترام عهده بتقديم دراما نظيفة تحترم وعي المشاهد، ثقافته وتربيته وحدود منزله، توثق لحظته وتقرأ مستقبله من واقعه، وتذكره بأصالته وتختتم الصورة في ذهنه كما أحب دائماً أن يختم شارات أعماله بكلمة “الإخراج” بدل “المخرج” لأنه شريك في مشروع جماعي، فالنجاح للجميع بوجود العراب والجميع شركاء به إذا كان هناك مثل حاتم علي ويا ليت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *